فهرس الكتاب
[220] بذلك، فلم قلتم: إنه ليس المراد من القدر المذكور في هذا الخبر، هو الكتابة؟ فإنه تعالى كتب جميع الكائنات في اللوح المحفوظ، أو نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد منه: الحكم أو العلم. فإنه تعالى عالم بجميع الجزئيات على التفصيل التام؟
والدليل على صحة هذا التأويل: ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم، قال: «سبق علم الله في خلقه، قبل أن خلقهم. فهم صائرون إلى ما علم الله منهم» فكان هذا الخبر، كالمفسر لجميع الأخبار الواردة في باب القدر.
سلمنا: أن المراد من القدر الخلق والإيجاد. فلم قلتم: إن المراد من الخير والشر، هو الطاعة والمعصية؟ وذلك لأن لفظ الخير والشر، قد يستعملان أيضا في المنافع والمضار. قال تعالى: ونبْلُوكُمْ بِالشّرِّ والْخيْرِ فِتْنةً [1] ومعلوم أن الابتلاء لا يقع بالخير والشر، بمعنى الطاعة والمعصية.
وإنما المراد بالخير: المنافع التي هي الأموال، والرفاهية في العيش، والصحة في البدن، والأهل والأولاد. والمراد بالشر: المضار التي هي القحط والمرض، والمصيبة. ولهذا سمى الحرب والفتنة: شرا. قال الشاعر:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا وقال:
لكن قومي. وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء، وإن هانا وقال:
فلما أصبح الشر، فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوان، دناهم كما دنوا وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان إذا ثبت هذا فنقول: المراد بالقدر خيره وشره: ما ذكرناه. وذلك لأن الثنوية أثبتوا للعالم صانعين. أحدهما: يفعل اللذات والراحات. والآخر:
يفعل الآلام والأسقام، فشرط النبي عليه السلام في الإيمان: حصول الإيمان،
(1) سورة الأنبياء، آية: 35.