[271] قريبة عند الأذهان السليمة، والعقول الصافية. ومن خاض في مقام الرياضات [1] ، وكانت نفسه في أصل الفطرة مشرقة علوية [إلهية] [2] أبصر بعين بصيرته كل ما ذكرناه، إبصارا لا شك له فيه. والله ولي الإرشاد.
النوع الثالث من دلائل أصحاب الرياضات:
أن قالوا: إن أصحاب الشكوك والشبهات، وإن اجتهدوا في تقرير الخيالات الباطلة، وتأكيد الشبهات الفاسدة في نفي الإله المدبر، إلا أنه إذا نزلت بهم حادثة مؤلمة وواقعة مهيبة، فإنهم يجدون من صريح عقولهم وقلوبهم: التضرع، وإظهار الخضوع لإله العالم، والطلب منه أن يخلصهم من تلك البلية، ويخرجهم من تلك المحنة.
ووجدان هذه الحالة كالأمر المعلوم بالضرورة بالاستقراء والاعتبار. ثم بعد الخلاص من تلك البلية، ربما عادوا إلى تقرير الشبهات، وإيراد الخيالات.
وإليه الاشارة في القرآن بقوله: فإِذا ركِبُوا فِي الْفُلْكِ دعوُا اللّه مُخْلِصِين لهُ الدِّين فلمّا نجّاهُمْ إِلى الْبرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُون [3] وهذا يدل على أن جميع العقول السليمة، مقرة بوجود الإله الحكيم.
النوع الرابع من دلائل أصحاب الرياضات والمكاشفات:
ما يعلمه كل أحد بصحة التجربة والاختبار من إجابة دعاء المضطرين، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المظلومين على الظالمين، وكل من كان أصفى نفسا، وأقوى روحا، وكان أقوى في الانجذاب إلى الروحانيات، وأبعد من الالتفات إلى الجسمانيات، كان في هذا الباب أقوى وأكمل، وذلك يدل على أن لهذا العالم إلها، يسمع الدعاء ويجيب النداء، فهو تعالى منتهى طلب الحاجات، ومن عنده نيل الطلبات. فالأيدي ترفع إليه، والأبصار تخشع له، والرقاب تخضع لقدرته [4] ، والألسنة متشرفة بذكر جلاله. فيستغنى به، ولا يستغنى عنه، ويرغب إليه، ولا يرغب عنه، ولا تنقطع عن حضرته حوائج المحتاجين، ولا
(1) مقدمات الرياضة (ز) .
(2) من (ز) .
(3) العنكبوت 65.
(4) تخضع له (س) .