[273] الخوف، وأقرب إلى الاحتياط، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يكون المصير إلى هذا المذهب والاعتقاد، أحوط. لأن عند استيلاء الخوف الشديد، يكون الأخذ بالجانب الأحوط متعينا. [والله ولي التوفيق] [1] .
الطريق الثاني: كان بعض العقلاء يقول: إن لطمة واحدة تضرب على وجه صبي، تظهر أن لهذا العالم إلها وأن هذا الإله أمر بعض عباده بأشياء، ونهاهم عن أشياء، وأن ذلك الإله أعد للمطيعين ثوابا، وللمذنبين عقابا، وأنه [2] بعث إلى الخلق رسلا مبشرين ومنذرين. وهذه هي الأصول الأربعة التي هي أشرف المطالب وأعز المقاصد.
أما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الأول وهو إثبات الإله تعالى فنقول:
ذلك الصبي إذا أحس بتلك اللطمة، ففي الحال يصيح ويقول: من الذي ضربني؟ ومن الذي لطم وجهي؟ ولو أن أهل الدنيا يجتمعون عليه ويقولون:
إن هذه اللطمة حصلت [بنفسها] [3] من غير فاعل، فإنه لا يقبل هذا القول، ولا يؤثر فيه هذا الكلام، وهذا يدل على أن صريح العقل [وأول الفطرة، شاهدة بأن الفعل] [4] لا بد له من فاعل والحادث لا بد له من محدث، ومتى ظهرت هذه المقدمة فنقول: إذا كان صريح العقل يستبعد حدوث تلك اللطمة من غير فاعل، فحدوث جملة الحوادث في عالم الأفلاك، وعالم العناصر، كيف يعقل حدوثها بلا محدث وفاعل؟ فصار هذا الاعتبار من أدل الدلائل على دلالة حدوث هذا العالم، على وجود الصانع المدبر. وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الثاني وهو كون الإله تعالى موصوفا بالأمر والنهي والتكليف.
فنقول: إن ذلك الصبي إذا عرف أن ذلك الذي لطمه هو فلان، فإنه في الحال يقول: لم ضربتني؟ وبأي سبب آذيتني؟ وهذا يدل على أن صريح عقله حكم بأن الخلق ما تركوا مهملين معطلين، بل التكاليف عليهم لازمة،
(1) من (ز) .
(2) عز وجل (س) .
(3) من (ز) .
(4) من (س) .