فهرس الكتاب
[11] بمتحيز ولا حال في المتحيز ليس من البديهيات البتة.
الحجة الثالثة: إنا نعلم بالضرورة: أن أشخاص الناس مشتركة في المعنى المفهوم من قولنا: إنسان. ومتباينة بتعيناتها وخصوصياتها [1] وما به المشاركة غير ما به المخالفة. وهذا يدل على أن الإنسان من حيث هو إنسان: مفهوم مجرد عن الشكل المعين، والحيز المعين. فثبت أن الإنسان معقول مفهوم مجرد. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق المخلوقات [2] منزها عن لواحق الحس وعلائق الخيال؟ فإن قيل: هذا الكلام مغالطة، وذلك لأن
(1) قال ابن سينا في «الإشارات والتنبيهات» في النمط الرابع من الإلهيات:
«اعلم: أنه قد يغلب على أوهام الناس: أن الموجود هو المحسوس، وأن ما لا يناله بجوهره، ففرض وجوده محال. وأن ما لا يتخصص بمكان أو وضع بذاته كالجسم، أو لسبب ما هو فيه كأحوال الجسم. فلاحظ له من الوجود. وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس، فتعلم منه بطلان قول هؤلاء. لأنك ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد. لا على سبيل الاشتراك الصرف، بل بحسب معنى واحد. مثل اسم الانسان.
فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو، بمعنى واحد: موجود. وذلك المعنى الموجود، لا يخلو. إما أن يكون بحيث يناله الحس، أو لا يكون. فإن كان بعيدا من أن يناله الحس، فقد أخرج التفتش من المحسوسات: ما ليس بمحسوس. وهذا أعجب. وإن كان محسوسا فله لا محالة وضع وأين ومقدار معين وكيف معين، لا يتأتى أن يحس، بل ولا أن يتخيل إلا كذلك.
فإن كل محسوس وكل متخيل، فإنه يتخصص لا محالة لشيء من هذه الأحوال. وإذا كان كذلك لم يكن ملائما لما ليس بتلك الحال، فلم يكن مقولا على كثيرين مختلفين في تلك الحال.
فإذن الإنسان من حيث هو واحد الحقيقة بل من حيث حقيقته الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير محسوس، بل معقول صرف. وكذلك الحال في كل كلي. ولعل قائلا منهم يقول: إن الإنسان مثلا إنما هو إنسان من حيث له أعضاء، من يد وعين وحاجب وغير ذلك. ومن حيث هو كذلك، فهو محسوس. فننبه ونقول له: إن الحال في كل عضو كلي، مما ذكرته أو تركته، كالحال في الإنسان نفسه.
«تنبيه» : إنه لو كان كل موجود بحيث يدخل في الوهم والحس. لكان الحس والوهم يدخلان في الحس والوهم، ولكان العقل الذي هو الحكم الحق يدخل في الوهم. ومن أبعد هذه الأصول، فليس شيء من العشق والخجل والوجل والغضب والشجاعة والجبن، مما يدخل في الحس والوهم، وهي من علائق الأمور المحسوسة. فما ظنك بموجودات، إن كانت خارجة الذوات عن درجات المحسوسات وعلائقها» أه.
(2) فثبت: أن الإنسان من حيث هو إنسان، مفهوم مجرد عن. فقد أخرج التفتيش عن المحسوس ما هو معقول مجرد. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق المحسوسات الخ (س) والعبارة مصححة.