فهرس الكتاب
[49] تعالى في الحيز، لحصل إما في العالم، أو خارج العالم. والقسمان باطلان، فالقول بحصول الله تعالى في الحيز والجهة محال. أما أنه يمتنع أن يحصل في العالم، فبالاتفاق، ولأنه يلزم أيضا أن يكون جزءا من أجزاء العالم، ومخالطا له، وذلك محال. وأما أنه يمتنع أن يحصل خارج العالم، فلأن الخلاء إنا أن يكون متناهيا، أو غير متناه. فإن كان متناهيا فكل متناه: شكل وشكله ليس من لوازم ذاته، لأن الخلاء كما بينا طبيعة بسيطة فتكون طبيعة الجزء مساويا لطبيعة الكل، فل كان المقتضى لذلك الشكل هو تلك الماهية، أو شيء من لوازمها، لزم أن يكون شكل الكل مساويا لشكل الجزء، وذلك محال. فيثبت أن شكله يجب أن يكون حاصلا من الفاعل المختار فيكون محدثا، والخلاء لا ينفك عن الشكل [1] ] وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث فالخلاء محدث، والله تعالى قديم فوجب أن يقال: إنه في الأزل ما كان حاصلا في شيء من الأحياز والجهات [فلو حصل في الأزل في شيء من الأحياز والجهات [2] ] لزم وقوع التغير في تلك الذات من حيث إنها هي. وذلك محال.
وأما القسم الثاني وهو أن الخلاء لا نهاية له: فهذا محال لوجهين:
الأول: إن الدليل دل على امتناع وجود بعد لا نهاية له.
والثاني: إن الخلاء إذا كان متناه فلا يشير العقل إلى حيز معين، إلا وفوقه حيز آخر، فلو حصلت ذات الله تعالى في ذلك الحيز، لكان قد حصل في التحت لا في الفوق، وذلك محال. وإذا كان الأمر كذلك، امتنع حصوله في حيز معين، وظاهر أيضا أنه يمتنع حصوله في حيز مبهم، وحينئذ يلزم القطع بامتناع حصوله في الحيز أصلا. فإن قالوا: فلم لا يجوز أن يقال: إنه يحصل في جميع الأحياز التي لا نهاية لها؟ فنقول: هذا أيضا محال. لأنه إما أن يقال:
إن الذات الواحدة حصلت في كل تلك الأحياز، أو يقال: إنه حصل في كل واحد من تلك الأحياز: جزء من أجزاء تلك الذات. والأول محال لأنه
(1) هذا القوس نهاية الكلام الطويل.
(2) من (س) .