[78] وأما كونه تعالى غير متناهي بحسب الدوام والبقاء، فإن تفسيره هو الوجه الثاني، وهو أنا إذا استحضرنا في أوهامنا، وخيالاتنا أيا من السنين؟ كم سنينا من الأعداء؟ فإنا لا ننتهي إلى طرف وحد إلا ويحكم العقل بأنه تعالى كان موجودا قبل ذلك، وهذا الحكم باقي أبد الآباد، فإن قالوا: فهذا الدوام لا يمكن تعقله إلا مع فرض الزمان الدائم، والمدة المستمرة، وإذا كان الله تعالى واجب الدوام، وثبت أن حقيقة الدوام لا تعقل إلا مع المدة والزمان، فحينئذ يلزم افتقار ذات الله تعالى في الدوام والبقاء، إلى شيء غيره، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته، فيلزم أن يكون الواجب لذاته، ممكنا لذاته. هذا خلف.
ونقول: دوام الشيء لا يتوقف على اعتبار حال الزمان والمدة، لأن ذلك الزمان إما أن يكون دائما أو لا يكون، فإن كان دائما فدوامه ليس لأجل دوام زمان آخر، وإلا لزم أن يكون كل زمان مظروفا لزمان آخر، إلى غير النهاية [أو كلها يكون موجودا دفعة. وذلك محال. وإذا كان دوام الزمان [1] ] ليس لأجل زمان آخر، فقد عقلنا معنى الدوام من غير اعتبار زمان آخر، فليعقل مثله في حق واجب الوجود لذاته، وأما إن قلنا: إن الزمان غير دائم مع أن واجب الوجود دائم لذاته، فحينئذ لا يكون دوامه مشروطا بشيء آخر، وذلك يوجب سقوط السؤال المذكور وأما كونه تعالى غير متناهي بحسب الصفات فنقول: إنه تعالى قادر على ما لا نهاية له، ولا نريد به أن تلك المعدودات أعداد متشخصة بحيث يكون كل واحد منها في نفسه متميزا عن الأخر، وأنه تعالى قادر عليها، كما يقوله القائلون: بأن المعدوم شيء بل المراد منه: أنه تعالى لا ينتهي في الخلق والتكوين إلى حد، إلّا ويبقى بعد ذلك قادرا على الإيجاد والتكوين كما كان قبل ذلك، وهذا هو المراد من قولنا: إنه تعالى قادر على ما لا نهاية له. ونقول [أيضا: إنه عالم بما لا نهاية له [2] ] والمراد ما ذكرناه، والإشكال هاهنا أصعب لأن القدرة مؤثرة في المقدور، فلم يلزم أن يكون المقدور مقدورا في نفسه قبل ذلك التأثير. أما العلم [3] بأنه يتعلق بالشيء على ما هو عليه، فوجب تقرير
(1) من (و) .
(2) من (س) .
(3) الحكم (و) .