فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 2479

[70] داعي الحكمة: السعي في إيصال الخير إلى الغير. إذا عرفت هذا فنقول: إن التجربة تدل على أن السعي في إيصال النفع إلى النفس. وفي دفع الضرر عن النفس يمكن حصوله مع عدم السعي في اتصال النفع إلى الغير، وفي دفع الضرر عن الغير من غير أن يكون المقصود منه السعي في إيصال النفع إلى النفس ودفع الضرر عن النفس. فهذا مما [1] يثبت عندنا جوازه بالدليل.

وتقريره: أن الواحد منا إذا أحسن إلى المريض الأعمى في الصحراء الخالية مع كون ذلك المحسن دهريا، منكرا للثواب والعقاب، فله فيه أغراض ومنافع.

أحدها: أنه إذا أتى بذلك العمل، صار هو عند نفسه، موصوفا بصفة حميدة. وهي كونه محسنا إلى المحتاجين. وإذا لم يأت بذلك الإحسان، فإنه يكون عند نفسه موصوفا بالقسوة والغلظة وعدم الرحمة. فالحامل له على ذلك الفعل: تحصيل صفة الكمال لنفسه، ودفع صفة النقص عن نفسه.

وثانيها: ما ذكرناه في الفصل المتقدم أنه يدفع بذلك الفعل عن قلبه ألم الرقة الجنسية.

وثالثها: إنه لما رأى ذلك الفعل خاليا للمدح والثناء في أكثر الصور.

والنادر يلحق بالغالب في الخيال والوهم صارت هذه الصورة ملحقة بذلك الغالب. فأما لو قدرنا انتفاء هذا الأحوال الثلاثة، فإنا لا نعرف أن ذلك الرجل يحسن إلى ذلك الفقير الأعمى، بل ربما فعل، وربما لم يفعل. فيثبت بما ذكرنا: أنه لم يثبت عندنا في الشاهد نوع آخر من الدواعي، سوى القسم الذي سميتموه بداعية الحاجة. فاما القسم الذي سميتموه بداعية الإحسان، فلم يثبت بالدليل وجوده في الشاهد البتة.

قالت المعتزلة: هاهنا دليل يدل على صحة هذا القسم. وهو: أنه قد ثبت أن العالم محدث، وكل محدث فله محدث. فالعالم محدث. ومحدث العالم ليس بجسم، فوجب أن لا تصح عليه الحاجة. إذا ثبت هذا فنقول: فاعل

(1) في (م) مما لم يثبت عنده جوازه إلا بالدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت