فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 2479

[110] المتقن على سبيل الإتقان مرة واحدة. فالعاجز عن نظم الشعر قد ينطق على سبيل الإتقان بمصراع من الشعر والجاهل بالخط، قد يكتب حرفا واحدا على الإحكام والإتقان بالاتفاق والندرة (وإذا ثبت هذا فنقول: قد ثبت في العلوم العقلية: أن حكم الشيء حكم مثله [1] فلما ثبت أن العمل القليل قد يوجد من الجاهل، وجب أن يكون حكم أمثاله وأشباهه كذلك. وهذا يدل على أن صدور الفعل المحكم المتقن من الجاهل: جائز.

والثاني: وهو أنا نشاهد أن النحل يبني البيوت المسدسة من غير مسطرة ولا فرجار، على أحسن الوجوه، بل العقلاء الحصفاء الكاملون، لو أرادوا بناء البيوت المسدسة من الشمع مثل ما يبنيه النحل، يعجزون عنه والعنكبوت أيضا. إذا أرادت إصلاح بيتها، فإنها تأتي بأعمال عجيبة في ذلك البناء. والنملة إذا خبأت في جحرها حبات الحنطة فإنها تفلق كل حبة إلى نصفين، لأجل أنه إذا أصابتها الرطوبة، فإنها لا تنبت. وعجائب أفعال الحيوانات مذكورة في الكتب. فهذه أفعال محكمة متقنة. فإن دل الفعل المحكم المتقن على علم الفاعل، وجب القول بأنها أكثر علما من الإنسان (لأن ما) [2] في هذه الأنواع من الأفعال من وجوه الإحكام والإتقان، أكثر مما في أفعال الناس. وذلك بعيد جدا.

الوجه الثالث: وهو أنا نرى أن الإنسان إذا أراد أن يتعلم صنعة الكتابة أو ضرب الطنبور أو صنعة أخرى، فإنه في أول الأمر يحتاج إلى أن يستحضر في ذهنه صورة حرف حرف، وصورة نقرة نقرة، ومتى كان الإنسان باقيا في هذه الدرجة، فإنه يكون مقصرا في تلك الصناعة، ثم إذا واظب على تلك الحرفة على تلك الحرفة مدة مديدة، وتمرن فيها حصلت له حالة عجيبة تسمى بالملكة في اصطلاح الحكماء، بأن يصير بحيث يكتب على أحسن الوجوه من غير أن يحتاج إلى استحضار حرف حرف في الخيال، بل ربما كان مشغول القلب بمهم آخر، وهو يكتب على أحسن الوجوه. فههنا الفعل المحكم المتقن الواقع على

(1) من (م) .

(2) من (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت