فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 2479

[164] فعلم الله تعالى بذاته المخصوصة، يوجب كونه عالما بالأمور التي بها حصل ذلك التشخص، وذلك التعين. فوجب أن يكون عالما بذلك التشخص من حيث إنه هو، فيثبت أن قولهم: العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، يوجب عليهم الاعتراف بكونه تعالى عالما بالأشخاص من حيث إنها تلك الأشخاص المعينة [1] .

الحجة الثالثة في إثبات كونه تعالى عالما بالجزئيات المعينة: هو أن العلم بالأشياء صفة مدح وكمال والجهل بها صفة نقصان، والله تعالى أكمل الموجودات وأجلها، فوجب أن يكون وصفة بصفات الكمال والجلال أولى من وصفه بصفات النقصان.

الحجة الرابعة: إنا نرى أهل الدنيا، الصديق والزنديق، والموحد والملحد، إذا وقعوا في بلية أو محنة، فإنهم يتضرعون إلى الله تعالى، ويطلبون منه أن يخلصهم من تلك البلية، ولو أنه كان من أشد الناس إنكار لكونه تعالى عالما بالجزئيات، فإنه إذا وقعت له هذه الحالة المذكورة، فلا بد وأن يقدم على الدعاء والتضرع والخضوع. وهذا يدل على أن الفطرة الأصلية شاهدة بأن إله العالم قادر على المقدورات، عالم بالأسرار والخفيات. ومعلوم أن شهادة أصل الفطرة أقرب إلى القبول من هذه التقسيمات الخفية، والمطالب الغامضة، فوجب القطع بأن إله العالم عالم بالجزئيات، قادر على دفع الحاجات، وأظن أن قول إبراهيم صلوات الله عليه لأبيه: «يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر، ولا يغنى عنك شيئا» [2] ؟ إنما كان لأجل أن أباه كان على دين الفلاسفة، وكان ينكر كونه تعالى قادرا، وينكر كونه تعالى عالما بالجزئيات، فلا جرم خاطبه بذلك الخطاب. وهذا ما عندي في هذه المسألة. والله أعلم.

(1) المعينة (س) .

(2) مريم 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت