فهرس الكتاب
[192] أكمل الموجودات، فوجب أن يكون موصوفا بكل صفات، الكمالات، ومعلوم أن الحالة المسماة بالإبصار والسماع صفة من صفات الكمال. فإنا بينا أن من علم شيئا ثم رآه، فإنه يجد في نفسه كأنه انتقل من نقصان إلى كمال، ومن خفاء إلى جلاء، فإذا كانت هذه الحالة من صفات الكمال، وكان عدمها من صفات النقصان، وكان الحق سبحانه وتعالى منزها عن جميع صفات النقص، واجب الاتصاف بجميع صفات الكمال، لزم بمقتضى العقل الأول أن نعتقد كونه تعالى موصوفا به، منزها عن النقص الحاصل بسبب فقدانه.
البحث الثالث: في الدليل الذي يمنع من كونه تعالى موصوفا به، وتقريره: أن إبصار الشيء قبل حصوله محال، وسماع الكلام قبل حصوله محال، إذا ثبت هذا (نقول: إنهم) [1] قالوا: إن هذا يمنع من كونه تعالى موصوفا به لوجهين:
الأول: إنه تعالى لو كان موصوفا بهذا الإدراك لكانت هذه الصفة متغيرة، لأنه يكون رائيا للشيء حال وجوده، وما كان رائيا له قبل وجوده.
وكذلك يكون سامعا للصوت حال حصوله [2] ، ولا يكون سامعا له قبل حصوله، فيلزم وقوع التغير في صفة الله، وهو محال، للدلائل التي ذكرناها في أن وقوع التغير في كل صفات الله محال.
الحجة الثانية: وهي إن إدراك الشيء (مشروط بحصول المدرك في نفسه، فلو اقتضت ذاته حصول هذا الإدراك، وثبت أن حصول هذا الإدراك) [3] موقوف على حصول المدرك في نفسه، فحينئذ لا تكون ذات الله كافية في اقتضاء هذه الصفة، بل كان هذا الاقتضاء موقوفا على حال الغير، فنقول: ذاته موقوفة على تلك الصفة، وتلك الصفة موقوفة على الغير.
والموقوف على الموقوف على الغير موقوف على الغير، وكل ما كان موقوفا على
(1) فقالوا (م) .
(2) ولذلك يكون تبليغا للصوت حال حصوله (م) .
(3) من (م) .