فهرس الكتاب
[281] وإن كان كثيرا إلا أن السليم أكثر، فيثبت بما ذكرنا أن جميع مخلوقات الله تعالى واقعة على وجه الحكمة والصواب. وعند هذا قالوا: الخير مراد مرضي به، والشر مراد مكروه (أما إن الخير مراد مرضي به، فلأن المقصود من الخلق إنما هو تحصيل الخير، وأما أن الشر مراد مكروه) [1] فإنه نظرا إلى ذاته من حيث إنه مكروه، إلا أنه لكونه من لوازم ذلك الخير المطلوب بالذات، صار مرادا فهو مكروه بالذات، مراد بالغرض والتبع، ونظم حكيم الشعراء هذا المعنى فقال:
الشيب كره. وكره أن نفارق أعجب بشيء على البغضاء محبوب والمعنى أن الشيب يوجب نقصان القوة والحياة، فهو مكروه بالذات. إلا أنه لما امتنعت حصول الحياة إلا مع حصوله، وكانت الحياة محبوبة، لزم كون الشيب محبوبا. وهذا يقتضي أن يكون الشيب محبوبا ومبغوضا، إلا أنه محبوب بالغرض، مبغوض بالذات [2] . فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الباب.
واعلم. أن الكلام في هذا المقام من وجهين [3] : الوجه الأول: إن قول القائل: إن هذا المؤثر لم يفعل الخير؟ ولم يفعل الشر؟ إنما يتوجه إذا كان ذلك المؤثر فاعلا مختارا، وحينئذ يقال له: لم فعلت هذا؟ ولم تركت ذلك؟ أما إذا كان موجبا بالذات، فهذا السؤال ساقط، وأقصى ما في الباب أن يقال: إنه وإن كان موجبا بالذات إلا أنه عالم بما يصدر عنه إلا أنا نقول علمه بما يصدر عنه، لا يكفي في حسن هذا السؤال. إذا لم يكن مختارا في ذلك التأثير، ألا ترى أن العاقل العالم إذا سقط من السطح ووقع على إنسان آخر، ومات ذلك الإنسان، فإنه لا يحسن أن يقال له: لم قتلت ذلك الإنسان؟ لأنه لما كان غير [4] مختار في ذلك الفعل لا جرم لا يتوجه عليه ذلك السؤال.
(1) من (م) .
(2) محبوب (س) .
(3) وجوه [الأصل] .
(4) غير من (س) .