فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 2479

[292] يغصب من إنسان دينارا (ثم يعطيه دينارا) [1] آخر. وإنه على هذا التقدير لا يكون ذلك إنعاما، بل يكون محض العبث، فيثبت أن القبح العقلي لو كان معتبرا في حق الله تعالى، لوجب القطع بأنه تعالى غير منعم على أحد من عبيده، بل كان يلزم أن يكون عابثا في كل ما فعل وخلق، ولما أجمع أهل الملل على أنه تعالى حكيم في فعله، منعم على عبيده، علمنا أن حكم العقل على الله تعالى بالحسن والقبح باطل [2] والله أعلم [3] .

فإن قيل: الشرطية ممنوعة وهي قوله [4] : أن لا تكون النعمة نعمة، إلا إذا كان المنعم عليه محتاجا إليها مشتهيا لها، والحاجة والشهوة ضررهما من فعل الله سبحانه فنقول: لا نزاع في أنه ما لم يكن الحيوان محتاجا إلى الشيء ومشتهيا له، لم يكن إيصال ذلك الشيء إليه نعمة في حقه. لكن لم قلت: إن الحاجة إلى الشيء والشهوة ضرر؟ وما الدليل على أن الأمر كذلك؟ سلمنا أنه ضرر، ولكن لم قلتم: إن ذلك الضرر حاصل بتخليق الله تعالى؟ وما الدليل عليه؟ وتقريره: أن كون الإنسان محتاجا إلى الشيء وصف لازم لذاته ولماهيته، ولما كان الأمر كذلك لم يكن حصوله بسبب جعل الجاعل وفعل الفاعل، كما أن كون الأربعة زوجا، وكون الثلاثة فردا، ليس بسبب الجعل والخلق والتكوين. سلمنا أن الحاجة إلى الشيء والشهوة له، إنما حصل بتخليق الله تعالى وإيجاده. فلم قلتم: إن على هذا التقدير يكون إيصال النعمة إليه عبثا؟ وتقريره: أن هذا العبث إنما يلزم إذا قلنا: إنه تعالى لا يوصل إليه النعمة إلا بقدر حاجته وشهوته. أما إذا قلنا: إنه تعالى خلق الحاجة والشهوة فيه. ثم إنه بعد ذلك أعطاه من المنافع ما يزيد على قدر حاجته أضعافا مضاعفة. فهذا يمنع من كونه عبثا. ومثاله: أن من أوصل دينارا من الغير إلى

(1) من (س) .

(2) قال الله تعالى: شهِد اللّهُ: أنّهُ لا إِله إِلّا هُو، والْملائِكةُ، وأُولُوا الْعِلْمِ، قائِمًا بِالْقِسْطِ. لا إِله إِلّا هُو الْعزِيزُ الْحكِيمُ [آل عمران (18) ] .

(3) من (م) .

(4) وأما قوله [الأصل] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت