[301] بأن يشتغل بالشكر والثناء والخدمة والطاعة، مع أنه في حق العبد محض الضرر، والإله لا ينتفع به البتة.
فيثبت بما ذكرنا: أن حكم العقل في التحسين والتقبيح لو كان معتبرا في أفعال الله وأحكامه، لقبحت هذه التكاليف، وحيث لم يقبح شيء منها علمنا أن ذلك (باطل قطعا. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنما حسن تلك التكاليف لمنفعة) [1] عائدة إلى الشاكر والمطيع؟ وبيانه من وجوه:
الأول: إن تعظيم [2] من لا يستحق التعظيم قبيح في العقول. فهو سبحانه إنما كلفهم حتى يصيروا بسبب إتيانهم بتلك الطاعات مستحقين للتعظيم، فحينئذ يحسن منه تعالى أن يخصهم بأنواع التعظيم.
الثاني: إنه تعالى لو أعطاهم تلك المنافع بعد أن كانوا مستحقين لها، كان ذلك ألذ وأكمل مما إذا حصلت تلك المنافع بمحض التفضل.
الثالث: لم لا يجوز أن يقال: إن إمكان حصول هذه السعادات الأخروية للبشر، مشروط بإتيانهم بهذه العبادات، على ما هو مذهب الحكماء. وذلك لأنهم قالوا: الإنسان إذا واظب على تحصيل هذه الشهوات البدنية واللذات الجسمانية فإنه تقوى رغبته فيها، ويعظم ميله إلى تحصيلها، فعند الموت يبقى ذلك الميل والرغبة مع العجز عن الوجدان، فتعظم الآلام الروحانية. أما إذا امتنع عن تحصيل هذه اللذات، وأقبل على ذكر الله، وذكر الملائكة وذكر الدار الآخرة فإنه تفتر رغبته في الجسمانيات، ويقوى ميله إلى الروحانيات، فعند الموت يصير كأنه يتخلص من المكروه إلى المحبوب. ومن الحبس إلى البستان، وهذا هو السبب في التكاليف بالطاعات والعبادات.
(1) من (م) .
(2) تعظيم قبيح (م) .