[300] والغم وما يكون وسيلة إلى أحد هذه الأشياء. ومن المعلوم بالضرورة أن القادر المختار قادر على تحصيل هذه الأمور من غير واسطة هذه التكاليف ولا يمكن أن يقال: إن تحصيل هذه الأشياء بواسطة التكاليف أيسر وأسهل، لأنا نقول: إن حصول هذا التفاوت بالنسبة إلى قدرة الله محال، فيثبت بهذه المقدمات الثلاثة:
أن التكليف بالمعرفة والطاعة تكليف بأعمال شاقة، مع كونها خالية عن جميع جهات الفائدة ومثل هذا قبيح في العقل، فلو كان حكم العقل معتبرا في أفعال الله وفي أحكامه، لوجب أن يقبح من الله كل ذلك، ولما لم يقبح منه شيء، علمنا: أن حكم العقل غير معتبر في حقه.
الوجه الثاني في بيان الشرطية: إن في الشاهد: من أنعم على بعض الضعفاء بنعمة، فإن لم يكلفه في مقابلة تلك النعمة بالخدمة الشاقة كان موقع ذلك الإنعام شريفا عاليا، أما إن كلفه بأن يقابل تلك النعمة بالخدمة فالناس يقولون إنه لئيم دنيء الهمة، يطلب في مقابلة تلك النعمة: الخدمة الشاقة المتعبة. بل نقول: إنه لا يرغب في هذا الطلب إلا من كان دنيء الهمة، خسيس النفس، يستعظم قدر تلك النعمة، فيطالب المنعم عليه بأن يعطيه عوضا على ذلك الإنعام، فإن قصّر المنعم عليه، في أداء ذلك العوض، وقع في قلبه غيظ وغضب وحقد ورغبة في الانتقام، ثم يقع في العذاب الشديد بسبب استيلاء هذه الصفات عليه، ثم إنه يسعى في إيصال الضرر والألم إلى ذلك الشخص ليتوصل بذلك إلى الخلاص عن تلك الآلام الواقعة في قلبه، بسبب استيلاء الغضب والغيظ عليه. ومثل هذا المنعم يكون قليل الخير، كثير الضرر، دنيء النفس، ساقط الهمة. وأما إذا أنعم، ولم يطلب من المنعم عليه شكرا وثناء، ولا يؤذيه بسبب إقدامه على كفران تلك النعمة. فهذا [1] يعد شريف النفس، قوي الهمة، عالي الدرجة، هذا في حق العبد الذي يسره الشكر، ويسوؤه الكفران. أما الإله المتعالي عن السرور والغم والنفع والضرر، فكيف يليق بجلاله وكبريائه، أن ينعم على عبده بنعمة، ثم يطالبه
(1) فهذا يعد دنيئا لئيما سيئ الهمة، عالي الدرجة (س) .