فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 2479

[311] الوقوع، وما لم يعلم يكون ممتنع الوقوع. والواجب لا قدرة على إيجاده، لأنه لما كان واجب الوقوع، فهو يقع، سواء فعله القادر أو لم يفعله. وأما الممتنع فظاهر أنه لا قدرة عليه، فيلزم أن يقال: إن الله تعالى لا قدرة له على شيء أصلا. ومعلوم أن الكلام في الحكمة والسفه، فرع على إثبات كونه قادرا، فإن كان هذا الكلام يقدح في كونه تعالى قادرا، وجب أن يكون باطلا.

الحجة الثانية: إن العلم يتعلق بالشيء على ما هو عليه، فإن كان ممكنا في نفسه، علمه ممكنا، وإن كان واجبا، علمه واجبا، ولا شك أن الإيمان والكفر بحسب ماهيته وذاته ممكن الوجود، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم والخبر، لزم كون العلم والخبر مؤثرين في تغير حال المعلوم، والمخبر، وفي تبديل صفته، وذلك محال. فيثبت أن العلم والخبر لا يوجبان امتناع المعلوم والمخبر.

الحجة الثالثة: إنه لو كان العلم والخبر مانعا من الفعل، لما كان العبد قادرا على شيء أصلا، لأن الذي علم الله وقوعه، كان واجب الوقوع، والواجب لا قدرة عليه. والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه، فوجب أن لا يكون العبد قادرا على شيء أصلا، فيلزم أن تكون حركاته وسكناته جارية مجرى الحركات الاضطرارية للحيوانات. لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك، فإن من رمى في وجه إنسان بآجرة حتى شجّه، فإنه يذم الرامي ولا يذم الوجه، ويدرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرّة عليه من السقف، وما بين ما إذا رمى بالقصد إنسان وجهه بالآجرة، ولذلك فإن العقلاء ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ويقولون: لم فعلت؟ ولم تركت؟ فيثبت أن العلم والخبر لو كان مانعا من الفعل، لما صح المدح والذم البتة، وثبت أن حسن المدح والذم معلوم بالضرورة، فوجب أن لا يكون ذلك العلم والخبر مانعا من الفعل.

الحجة الرابعة: لو كان العلم بالعدم [1] مانعا من الوجود، لكان أمر

(1) العلم بالعلم (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت