فهرس الكتاب
[331] ثم إن كل واحد منها ليس يعمل عملا واحدا بل يأتي بأنواع لا نهاية لها من الوسوسة والدعاء، فإن القوة الباصرة، كلما أبصرت شيئا من الجسمانيات دعت النفس إلى طلبه، وكذا القول في سائر القوى. وأيضا: النفس في أول الخلقة إلى كمال البلوغ إنما تفعل وتتحرك بمقتضى هذه القوة الجسمانية، ولا شك أن كثرة الأفعال توجب الملكات الراسخة.
وأما القوة العاقلة الناهية عن طلب الجسمانيات الآمرة بطلب الباقيات الصالحات، فهي إنما تحدث بعد سنّ البلوغ. فهي في الحقيقة إنما تقوى بعد استيلاء أولئك التسعة عشر على مملكة البدن.
وأيضا: فأكثر أهل العالم راغبون في طلب الجسمانيات، معرضون عن طلب الروحانيات، والطبع يقوى ميله بسبب كثرة الأعوان، ويضعف ميله بسبب قلة الأعوان، فقد ظهر بما ذكرنا: أن الأسباب الداعية إلى المعصية واللذة والفسق والفجور كثيرة قوية، والأسباب الداعية إلى الطاعات، والإعراض عن الدنيا والإقبال على الروحانيات قليلة، ثم من هذه الحالة نهى تعالى عن الميل إلى الدنيا، وأمر بطلب الآخرة، والأسباب الموضوعية أسباب توجب أضداد هذه الأحوال، فلو كان حكم العقل في أفعال الله وفي أحكامه معتبرا، لكان هذا التكليف قبيحا، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن حكم [1] العقل في أفعال الله، وفي أحكامه معزول. والله أعلم.
وهذا الدليل قريب من الدليل الذي قبله، إلا أن ذاك في شياطين الجن، وهذا في شياطين الأخلاق المذمومة.
الحجة الثامنة: أن نقول الفعل الذي يفعله الله تعالى لغرض من الأغراض. إما أن يكون حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله. أو لا تحصل هذه الأولوية، فإن كان الأول لزم أن يكون إله العالم باقتضاء لذاته، مستكملا بغيره، وهو محال. وإن كان الثاني. فالاستواء يناقض الرجحان.
(1) صحة (س) .