فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 2479

[338] فهذه جملة الدلائل في بيان أن حكم العقل بالتحسين والتقبيح في أحكام الله وفي أفعاله: حكم باطل، غير ملتفت إليه.

واعلم أن جماعة عظيمة من أصحاب أبي الحسن الأشعري رحمه الله احتجوا على إبطال [1] القول بتحسين العقل وتقبيحه. بأن قالوا: لو قبح القتل لذاته، لوجب أن يقبح (كل قتل وكان يجب أن يقبح) [2] القتل على سبيل القصاص، ولو حسنت المنفعة لذاتها، لحسنت كل منفعة ولذة، فكان يجب حسن الزنا واللواطة، ولما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن القول بأن الحسن حسن لذاته، وأن القبيح قبيح لذاته قول باطل.

وقالت المعتزلة: هذا الكلام غير وارد علينا، لأنا لا نقول: إن الحسن إنما كان حسنا لذاته، وأن القبيح إنما كان قبيحا لذاته. وإنما نقول: إن الحسن يحسن لوجوه عائدة إليه، وإن القبيح إنما يقبح لوجوه عائدة إليه. وعند هذا قالت الأشعرية: إن التعليل بالوجوه تعليل بأمر غير مفهوم ولا معقول.

ونحن نذكر تفسير هذه الوجوه بحيث يصير المراد منه مفهوما فنقول:

لا شك أن الإنسان قد يلتذ بتناول الخلّ، إلا أن المقتضى لحصول تلك اللذة ليس هو تناول الخل فقط، بل الموجب له مجموع أمور، مثل أن يكون قد تقدم أكل الطعام الطيب الدسم، وأن تكون المعدة قوية، فعند تقدم ذلك الأكل يكون تناول الخل لذيذا لمثل هذه المعدة. فعلى هذا لا نقول: إن الموجب لتلك اللذة ذات الخل، بل الموجب مجموع هذه الأحوال والشرائط.

وأيضا: الإنسان يرغب في تناول الدواء المخصوص، وليس المقتضى لحصول تلك الرغبة هو ذات ذلك الدواء، وإنما المقتضى له مجموع أمور منها:

حصول أخلاط مخصوصة في البدن. ومنها: أن لا توجد سائر الأدوية ومنها:

ظهور آثار المرض في البدن فتصير مجموع هذه الأحوال موجبا لحصول الرغبة في

(1) فساد (س) .

(2) من (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت