فهرس الكتاب
[349] إفضاء الظلم إلى حصول الألم والغم قريب قوي كامل، فلا جرم نجد النفرة عن الظلم أعظم من النفرة عن الكذب وعن البعث. وأما النفرة عن الكذب، فالسبب فيه: أن من سمع خبرا كاذبا، فقد يعتقد من ذلك الخبر أمرا من الأمور، وربما بنى على ذلك الاعتقاد أشياء كثيرة، فإذا ظهر له أن ذلك الخبر كان كاذبا، فحينئذ تضيع كل الأعمال التي بناها عليه، وتبقى المشاق التي تحملها في تلك الأعمال خالية عن المنافع الجائزة، ويحصل الغم في القلب بهذا السبب، فلأجل كون الكذب مفضيا إلى حصول الألم والغم الخاليين عن الجائز، كان الطبع ينفر عنه، ولما كان إفضاء الظلم إلى الألم والغم أقوى وأقرب من إفضاء الكذب إليهما، لا جرم كان قبح الظلم في الطبائع والعقول أقوى من قبح الكذب.
وأما قبح العبث فالسبب فيه: أن الإنسان خلق محتاجا، فوجب عليه صرف العلم إلى تحصيل ما يدفع أنواع الحاجات عنه، فإذا اشتغل بالعبث فقد فوت على نفسه صرف العمر إلى تحصيل الأشياء النافعة، وكان العبث مفضيا إلى الضرر، من هذا الوجه، فلا جرم حكم العقل عليه بالقبح، ولما كان إفضاء العبث إلى حصول الألم والغم أبعد وأضعف، من إفضاء الظلم إليها لا جرم كان قبح العبث أقل في العقول من قبح الظلم والكذب.
فإن قالوا: أليس أن الظالم ينتفع بظلمه، والكاذب قد ينتفع بكذبه، مع أن عقله يحكم بقبح الظلم وقبح الكذب؟ قلنا: إن الظالم يعلم أنه لو أفتى بحسن الظلم لكان قد حكم بأن لغيره أن يظلمه، وحينئذ لا يبقى آمنا على روحه وما له وأولاده، فلما علم أن الحكم بحسن الظلم يوجب فتح باب الآلام والغموم عليه، فلا جرم حكم بقبح الظلم وكذا القول في جانب الكذب.
وأما الحكم بحسن الإحسان، وإنقاذ الضعيف من البلاء، فهذا إنما كان حسنا، لأنه سبب لفتح باب المنافع والخيرات، ولما كانت اللذة والسرور مطلوبين بالذات، وكان الإحسان مفضيا إليهما، والمفضي إلى المحبوب