فهرس الكتاب
[57] فهذه الداعية هي الموجبة لانتقاله من هذا البلد إلى ذلك، وهذه الداعية باقية مع جميع الأجزاء الحاصلة في تلك الحركة، إلا أن الخطوة المتقدمة، شرط لكون تلك الداعية مؤثرة في حصول الخطوة الثانية، فإنه لولا أن ذلك الحصول [1] إن انتهى بسبب الخطوة الأولى إلى ذلك الحد المعين من المسافة، وإلا امتنع كون تلك الداعية موجبة لانتقاله من ذلك الحد المعين إلى حدا آخر.
فيثبت بهذا: أن المؤثر في جميع هذه الحوادث موجود باقي مبرأ عن جميع جهات التغيرات، إلا أن تأثيره في حدوث كل حادث متأخر، مشروط بتقدم الحادث المتقدم، وهذا يقتضي أن يكون كل حادث مسبوقا بحادث آخر ولا إلى أول.
وعند هذا قالوا: ظهر أنه لو انقطع حدوث الحوادث لحظة واحدة، لامتنع حدوث الحوادث بعد ذلك أبدا، وظهر أنه لا يمكن إسناد الحوادث المتعاقبة إلى المؤثر القديم، إلا [2] بهذا الطريق. قالوا: وهذا طريق معقول يتيسر على مذهبنا، ولم يتيسر لأحد من أرباب المذاهب سوانا، فكان ذلك دليلا على شرف قولنا، وقوة كلامنا.
قال المتكلمون والمحققون: لا شك أنكم بالغتم في التدقيق والتحقيق، إلا أن البحث الغامض باقي كما كان، وذلك لأنا نقول: لا شك أن العلة المؤثرية القديمة، ما كانت موجودة لهذا الحادث المعين، حال ما كان الحادث المتقدم عليه موجودا، ثم صارت في الوقت الثاني موجدة لهذا الحادث، فصيرورة تلك العلة موجدة لهذا الحادث بعد أنها ما كانت كذلك: حكم حادث. فهذا الحكم الحادث، إما أن يفتقر إلى مؤثر، وإما أن لا يفتقر إليه.
فإن كان الثاني فقد حدث أمر من الأمور لا لمؤثر، وإذا عقل هذا في البعض، فليعقل مثله في الكل. وهذا يوجب استغناء الممكن المحدث عن المؤثر. وهو محال.
وأما القسم [3] الأول: وهو أن يقال: حدوث تلك المؤثرية والموجدية،
(1) الحيوان انتهى
(2) لا (ت) .
(3) والقسم (ت)