واعلم هداك الله: أن كل (مساتر بمعاصي الله أومعلن لها) فهو منافق في لغة العرب ؛ لأن اسم النفاق إنما أخذ واشتق من جحرة اليربوع فإن لليربوع جحرين يقال لأحدهما:القاصعاء وهو الذي يسكنه ويكون فيه, وفوق ذلك جحر آخر رقيق السمك في السماء والهواء يقال له: النافقاء ، فإذا أتاه في قاصعائه شئ يخافه من حية تريد أكله أوغيرها هرب من القاصعاء إلى النافقاء ، فإن صعد مايخافه اليه الى النافقاء نفق برأسه أي: خرق برأسه ذلك السقف الرقيق وظهر على الأرض وهرب مما يخاف.
فنفس النفاق في اللغة فهو: أن يُظَنَّ بالإنسان أنه ممن يعمل بطاعة الله فيعمل بمعاصي الله مخالفا لما ظن به كما ظن باليربوع أنه في القاصعاء فنفق برأسه وخرج من النافقاء مخالفا ماظن به ، فكان النفاق من جنس الكذب فيما سوتر به أوأظهر من قول أوفعل ، فمن زعم أنه مسلم أومؤمن ثم أظهر أوساتر بفعل غير أفعال المسلمين والمؤمنين فقد نافق ولزمه اسم النفاق ؛ لأنه أتى من الجهة التي زعم أنها دينه ، وجاء بخلاف ماوعد أن يأتي به كاليربوع لما أتى من الناحية التي ظُنَّ أنه بها خرج منافقا من غيرها.
وقد دل سبحانه بمحكم كتابه على حقيقة ماوصفت ، مع ماجاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنافقين في عصره ، مع شهادة الله ورسوله وجميع المؤمنين بأنهم كفار واسم الكفر لازم لهم مع اسم النفاق ، وذلك فترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياهم مع نسائهم المؤمنات لم يفرق بينهم ، وبالصلاة عليهم بعد موتهم ودفنهم في مقابر المسلمين ، وأكل ذبائحهم واقامة حدود المسلمين عليهم ، وتركهم يحجون ويدخلون المسجد الحرام والبيت المقدس وجميع المساجد ، والذي وصفهم الله به في كتابه بقوله:?إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم? الى قوله:?فلن تجد له سبيلا? فقال جل ذكره: ليس هؤلاء الى المؤمنين المخلصين الطاعة لله ، ولا إلى الجاحدين الكافرين المخلصين الجحد لله ، ولكنهم مقصرون عاصون ، وهذه فصفة أكثر أهل زماننا في صلاتهم وزكاتهم وجميع أعمالهم ، مايؤدون من ذلك شيئا إلا بكسل وتقصير فيه وضجر به إذا أدَّوه ، وأكثر ذلك لايؤدونه والله المستعان.
ولو لم يكن المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين لله عاصين ، لم تجب عليهم الزكاة في أموالهم ولاكلفوا الصدقة ، ولاكان لهم في الصدقات نصيب ، قال الله سبحانه لرئيسهم ومن معه منهم عبدالله بن أبي:?ياأيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولاأولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رزقناكم? الآية وقال جل ذكره:?ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون? الى قوله:?إنا الى الله راغبون? فأعلم في الآيتين الأخيرتين أنهم ممن كانوا يأخذون الصدقات ويعطيهم الله ورسوله عليه السلام منها ، وكل ماتلوته ففي المنافقين غير شك وهذا بين والحمد لله والله مشكور وبما هو أهله مذكور.