والمجبرة تسأل عن قول الله تبارك وتعالى:?ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولاتحملنا مالا طاقة لنا به? أنه سبحانه إذا أطاعه عبده خفف عليه المحنة وسهل عليه العمل بطاعته بلطف منه وتأييده له جزاء منه لمن أطاعه ، والعبادة عليه خفة ، وازداد نشاطا في العمل لله وهانت عليه الدنيا وشدائدها لأنه وعد الشاكرين الزيادة فقال:?لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد? ووصف عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه:?فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا? الى قوله:?ويجعل لكم أنهارا? ويكثر مثل هذا في القرآن ، وإذا عصاه عاقبه فخلاه وتركه من توفيقه في بلواه فاشتد عليه اليسير من المحنة ، وعظم عليه قليل المصائب ، وثقل عليه فوات الضيف من أمر الدنيا ، وصار ماخف على المؤمنين بحسن اليقين عليه ثقيلا من الطاعة والعمل لرب العالمين فكلما ازدادوا معصية لله ازدادوا لطاعة الله بغضا ، ومن أوامره بعدا ولها رفضا, وذلك فعقوبة من الله لهم بكفرهم وتماديهم في غيهم.
وقد بين الله جل ذكره ذلك في كتابه بقوله:?فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا? الى قوله:?وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما? وقد يمتحن الله المؤمن في بعض الأحوال بالشدايد والزلازل وعظيم البلاء ليمحصهم من صغائر ذنوبهم ، وليختبر طاعتهم وصبرهم نظرا منه جل ذكره:?ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين? فإذا صبروا ورضوا بامتحان الله إياهم وسلواه لهم زادهم ثوابا وكرامة وضاعف لهم الحسنات ، وأوجب لهم رفيع الدرجات ، وقد يمد الله أهل معصيته في بعض الحوال بالأموال والبنين والنعم ويدافع عنهم المصائب ويمهلهم ويصحح أجسادهم ليستدعي بذلك طاعتهم ، ويستشكرهم على نعمه عليهم ، وليعلمهم أن معاصيهم إياه لاتضره فإن آمنوا وتابوا قبلهم وتاب عليهم ، وإن أصروا ولجوا في طغيانهم لم يخف فواتهم وأخذهم بذنوبهم وبسوء اكتسابهم فخلدهم في النار ?وما ربك بظلام للعبيد? فعلى هذا سأل المؤمنون ربهم فقالوا: ربنا ولاتحمل علينا ثقلا من المحنة ، فلعلنا نعجز عن حمل ذلك يميل منا الى الدنيا ورغبوا اليه جل ذكره أن يسهل عليهم المحن ، ويخفف عليهم الثقل من البلوى ، وهذا في كلام العرب معروف يقول الرجل للرجل لست أطيق كلامك ولاأحتمل حكمك ، ليس يريد أنه لايقوى على ذلك ويعجز عنه لمرض به أوضعف بدن وجوارح ، وعدم استطاعة ولكن يريد أنه يكرهه ولايحبه فعلى هذا تأويل الآية وماشاكلها من القول والله معبود محمود.
وعلى هذا معنى قوله:?ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا? يريدون بذلك لاتثقل علينا المحن ، وتشدد علينا البلوى فعلنا نؤثر أهواءنا أونصبوا الى دنيانا فتزيغ قلوبنا من محنتك فندع عند ذلك طاعتك ، وإذا كان ذلك منهم فإنما أتوا من قبل أنفسهم ، فجاز في اللغة أن ينسب ذلك الى الله جل ذكره لما كان من محنته وبلوه يريد بذلك أنها لما أشتدت عليهم محنة اغواهم ، وتقول العرب: قد بخل فلان فلانا إذا سأله مالايحبه ولايحبه الله ، وقد أظهر عجزه إذا حمله مالايشتهيه فعلى هذا تأويل كل ماأشبه هذا من كتاب الله والله محمود ومعبود.