فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 38

وأما قول الله جل ذكره:?ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا? فإن الفتنة في لغة العرب وفي كتاب الله على وجوه كثيرة فمنها الكفر به ، ومنها: المحنة والإختبار ، ومنها: العذاب ، ومنها: الحرب والقتال على الضلال ومايسخط الله ، ومنها: غلبة الهوى والمحبة للشيؤ وغير ذلك ، وقد بين الله جل ذكره وعز أكثر ذلك في كتابه الشفاء لما في الصدور فقال جل ذكره:?والفتنة أشد من القتل? وقال لموسى عليه السلام:?وفتناك فتونا ? أي امتحناك امتحانا وقال: ?وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة? يقول: حتى لايكون شر ولاحرب ولاقتال على ضلال وكفر ، وقال: ?يومهم على النار يفتنون? يريد يعذبون ?ذوقوا فتنتكم? أي عذابكم فيقول سبحانه:?ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا? وفي هذا الموضع يريد من يرد الله عذابه فلن تستطيع أن تدفع عنه مايريده الله من عذابه والله سبحانه فلا يريد أن يعذب إلا من هو مصر على معاصيه ، وقد علم أنه لايرجع عن كفره ولايتوب كما علم مثل ذلك عن الشيطان أنه لايتوب أبدا ، وليس من حكمه أن يعذب من يعلم أنه يتوب ويرجع يوما ما لأنه قال:?وماكان الله معذبهم وهم يستغفرون? يقول: لاأعذب من أعلم أنه يتوب ويستغفر ، وقال جل ذكره:?ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون? يقول: لو علمت أنهم يقبلون لأسمعتهم ماطلبوا وأريتهم من الآيات ماسألوا.

وقال:?ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون? فهذا وأشباهه في القرآن كثير يعلم الله جل ذكره أنه عالم باختيارهم معاصيه وعاقبة أمرهم وأنهم لايتوبون مختارين غير مضطرين ، وأنه لايعذب من يعلم أنه يتوب ويرجع عن كفره وضلاله.

وأما قوله سبحانه:?أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم? الآية فمعنى ذلك أنه لايريد أن يحكم لقلوبهم بالطهارة والإيمان وهي كافرة ، ولايشهد لها بالطهارة وهي نجسه ولايزكيها وإنما صاروا بهذه المنزلة لكفرهم وشركهم الذي اختاروه وأصروا عليه ولو أنهم آمنوا واتقوا لحكم لهم سبحانه بالطهارة والعدالة كما حكم بمثل ذلك لسائر من آمن به واتقاه ، ومثل هذا مما يتعامل به الناس في اللغة أن يقول قائل لبعض الفسقة: إنه طاهر زكي ، فيقول قائل آخر: أ،ت تريد أن تزكي هذا الفاسق وتعدله وتشهد له بالطهارة وهو فاسق دنس ،والله لايريد ذلك فله الحمد وتفسير الآية دليل على مافسرناه.

?ياأيها الرسول لايحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم? الى قوله:?يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا? فأعلم جل ذكره أن هذه الأفعال الردية منهم لامنه ولابمشيئته ولارضاه ، وأنها كسبهم لابإجبار منه لهم عليها.

ثم قال سبحانه: ?ومن يرد الله فتنته? أي عذابه فلن يمكنك رد عذاب الله عنهم ، ثم قال:?أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم? أي: لم يرد أن يحكم لهم بالطهارة وهي مصرة على خلافه وخلاف رسوله عليه السلام.

ثم ختم ذلك بأن قال: ?لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم? وقد قال جل ذكره في آية أخرى:?فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون? فأعلم أنه إنما يريد أن يحكم بالعذاب على أهل الذنوب ثم قال في آية أخرى:?مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما? وفي هذا غنى وكفاية لمن عقل عن الله والحمد لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت