فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 38

والإقرار والتصديق: في لغة العرب بالقلب واللسان إيمان آخر ، تقول العرب: آمن فلان بالأمر ، معنى ذلك أقر وصدَّق به. فهذا الإيمان الذي هو الإقرار والتصديق بالقلب واللسان فقد يكون مرة ضارا ومرة نافعا ، ومرة لا ضارا ولا نافعا ، ومرة نافعا في الدنيا وغير نافع في الآخرة ، ذلك معروف في اللغة.

فأما الإيمان الضار المذموم وأهله من ذلك:فهو الإيمان بالجبت والطاغوت وجميع الباطل ، قال الله سبحانه:?ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا? في أمثال لذلك من القرآن.

وأما الإيمان الذي لا ضارا ولا نافعا ، ولا مذموما ولا ممدوحا ولا أهله:فهو الإيمان الذي هو الإقرار والتصديق باللسان والقلب عندما يرى العبد بعض آيات الله التي ييأس مع رؤيتها من نفسه ، ولا يمكنه اكتساب خير وعمل صالح ، ولا يقبل له توبة مع رؤيته واستيفائه ما يتبين له من حضور الموت فيه ، وعدم السلامة منه ، وذلك فمثل إيمان فرعون حين أدركه الغرق فقال:?آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل? فقال جل ذكره:?الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين? ومثل إيمان من أّخَّرَه المرض فتبين له عدم الحياة ، وعلم أنه ميت ، ولم يطمع في النجاة الذين قال الله جل ذكره فيهم:?إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما?.

معنى قوله سبحانه:?بجهالة? ليست الجهالة ضد المعرفة ! ولكنها الجهالة بتعريض النفس لسخط الله ، فإن العاصي لله يوصف بالجهل.

ومعنى قوله:?من قريب? أي لا يكون من المُصِرِّين على الذنوب وهم يعلمون أنها تسخط الله ، فتكون حال هؤلاء حالا تغلظ تبعتها ويعظم ضررها.

وكذلك قال الله سبحانه في آل عمران:?والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون? ثم قال جل ذكره:?وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما? فسوى بين المنافقين العصاة له ، وبين الكفار المشركين به ، وهؤلاء فهم الذين ذكرهم الله في الآية التي ذكرتها قبل في آل عمران.

ومعنى ?حضر أحدهم الموت? أي يئس عندما به من الحياة وعقله ولسانه صحيحان

وكذلك قال سبحانه في سورة المائدة:?يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية? فهؤلاء الذين قد رأوا من آيات الله وحلول نقمته ما قد يئسوا به من السلامة والحياة فلا تقبل لهم توبة ، ولا يكون لهم إلى ما يحبون أوبة فأما عند حقيقة حضور الموت والغرغرة فلا تكن توبة ولا وصية وفي أمثالهم يقول الله سبحانه:?فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون?.

ويقول الله تعالى ذكره:?هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون? فهذا الإيمان من العبد يكون في حال أياسه من نفسه بظهور آيات الله له فلا ينفعه ولا يضره.

فأما الإيمان الذي هو الإقرار والتصديق النافع في الدنيا وهو غير نافع في الآخرة فهو إيمان المنافقين والفسقة الظالمين ، العصاة لرب العالمين ، الذين حقنوا دماءهم في هذه الدنيا ، وحملوا دماءهم في هذه على أحكام أهل الإسلام وورثوا به مواريث المسلمين.

فأما الإيمان الذي هو الإقرار والتصديق بالقلب واللسان ، النافع المرضي لله الممدوح: فهو ماد خل في جملة الإيمان الذي ذكرناه أولا ، وهو الإيمان الذي ذكره إبراهيم عليه السلام بقوله:?الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون? الذي يؤمن به العبد نفسه من سخط الله ووعيده ، وذلك أن يقر العبد بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبكل ما جاء به الرسل من عند الله ويطيع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما أمرا به ، وينتهي ويزدجر عن كل ما نهيا وزجرا عنه ، والله مشكور وبما هو أهله مذكور

ونزيد على ما وصفناه في الدلالة على الإيمان ، فإن الإيمان الذي هو الإقرار والتصديق بالقلب واللسان ، إنما ينفع إذا أتى العبد بجميع ما فرض الله عليه معه وازدجر عن جميع ماز جره الله عنه ، فيكون حينئذ مستوجبا أن يقال:إنه مؤمن حقا لأنه قد يكون قد جاء بما آمن به نفسه من سخط الله وعقابه ، قال الله جل ذكره: ?ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين? ويقول جل ذكره:?ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم...? إلى قوله:?ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون? فسبحان الله ما أوضح ما تكون في هؤلاء الآيات ، بأن الإيمان هو الإقرار بالقلب واللسان ، لا يكون إيمانا نافعا مؤمنا من سخطه ووعيده مع المولي عن طاعته وطاعة رسوله ، وترك العمل بجميع فرائضه والإجتناب لجميع ماز جر عنه مع ما قد دل عليه جل ذكره من أن العبد إذا عصاه أحبط عصيانُه صَالِحَ عمله بجوارحه ولسانه ، فإن تاب رد عليه فصار ما هاهنا أيضا إيمان هو إقرار باللسان لا ينفع مع المعصية لله ، وينفع مع التوبة والإخلاص ، والله معبود محمود.

ويكفي في بيان ذلك من عقل وتدبر القرآن ، ما أنزل عليه في الخيرين أبي بكر وعمر بقوله تعالى:?يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون? فإذا كان مثل عمل أبى بكر وعمر وإقرارهما الذي هو إيمانهما يحبط ويبطل إذ رفعا أصواتهما فوق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مع مكانهما في الإسلام فما يكون حال سواهما.

قال: حدثنا بشر بن عبد الوهاب بدمشق قال: حدثنا وكيع بن الجراح قال: حدثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة: (كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر لما قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفد بني تميم أشار احدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر بغيره فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت ?يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين أمتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم? قال ابن أبى مليكة: قال(ابن) الزبير ـ ولم يذكر ذلك عن أبيه: ذكر عمر بعد ذلك كان إذا حدَّث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحديث حدثه كأخي السِّرٍار لا يسمعه حتى يستفهمه من خفيض صوته.

وقد وصف الحكيم العليم في أماكن من كتابه أن من عصاه وعصى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو أصر على ذلك أبطل عصيانُه ما تقدم من صالح عمله وأحبطه.

فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى:?يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى? الآية.

ومن ذلك مالا يكون شيء أبين منه وهو قوله تعالى:?يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم?.

قال حدثنا بشر بن عبد الوهاب ، قال حدثنا وكيع بن الجراح ، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت ?أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم?.

فأعلم الله سبحانه بنص كتابه مصرحا أن من عصاه وعصى رسوله بطل عمله.

وأعلم في مكان آخر أن من أحبط عمله بمعصيته إياه إذا تاب رد عليه ما بطل من عمله ، وجعل بدل سيئاته حسنات فقال:?إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما? وكذلك حكم سبحانه العدل الرحيم بعباده في من عصاه دهرا طويلا ثم تاب فقال: ?إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين?.

فأعلمنا أن التوبة والعمل الصالح يبطلان ما تقدمهما من المعاصي له ، كما أعلمنا أن المعاصي تبطل ما تقدمهما من الطاعات له.

قال: حدثنا وكيع بن الجراح ، قال: حدثنا الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله قال: قلنا:يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ فقال: ( من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء أخذ بالأول والآخر) وهذا فبين واضح والحمد لله رب العالمين.

وإني لأكثر من التعجب من قوم لهم عقول وتمييز فهم يسمعون الله سبحانه يقول لمن عصاه وعصى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم:?وما أولئك بالمؤمنين? فيقولون هم: بلى بل هم مؤمنون إيمانهم كإيمان جبريل وميكائل فالله المستعان !!.

فالإيمان الحق الممدوح وأهله النافع فهو إيمان الإنسان نفسه من سخط الله، ومما أوعد من عصاه من عذابه وأليم عقابه ، تَوَقِّيْه ما نهاه عنه واجتنابه ، وفعله ما أمره الله ورسوله به واكتسابه ، ويدخل في ذلك الإقرار والتصديق بالقلب واللسان ،جميع أعمال الجوارح والأركان ، فمن أطاع الله ورسوله ولم يخالفهما فهو من المؤمنين حقا ومن المتقين ؛ لأن من اتقى مولاه لم يفعل ما يسخطه ويخالفه متعمدا ، وهو يعلم أنه يراه ولا يخفى عليه عمله ، وهذا فيما يصح في العقول والأسماع يكون مستخفا بمولاه قليل المبالاة بوعيده إياه ، الذي لا يبلغه وعيد الأليم الشديد ، مع إعلامه أنه لا يخلف وعيده ولا يبدل قوله ، وإنه الصادق العدل في حكمه ، الموفي بوعده ووعيده وصدقه في وعده لا خلاف فيه.

ويقول سبحانه في صدقه في وعيده:?قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد? ويقول جل ذكره:?واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور? ويقول عز وجل:?ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون? في أشباه لذلك ، يُعْلِم الله سبحانه أنه لا يخلف وعيده ، والله المستعان.

ومعنى قوله تقدس ذكره:?ولن يخلف الله وعده? أي: لن يخلف الله وعيده لأنهم استعجلوه بالعذاب الذي هو وعيده ، والعرب تقول: وعدته الشر وأوعدته: بمعنى واحد ،ولا تقول في الخير إلا وعدته فقط, ويحقق ذلك قول الله عز وجل ذكره:?قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير? وقد قال بعض الناس:إن الإيمان مجرد لا يزيد ولا ينقص, وقال آخرون بأن الإيمان يزيد وينقص ما شاء على أن كل ما تهيأ فيه الزيادة تهيأ فيه النقص ، عن غير مثال من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولاعن الله سبحانه في ذلك ووجدت القرآن يدل على الزيادة وينطق بها ، ولم أجده يدل على النقص ولا ينطق به ، ومن أخذ بالقرآن فقال بما فيه فلج وفاز وأخذ بالوثيقة والإحتراز ، ومع ذلك فإن الإيمان على ما تقدم وصفنا أعمال العباد بما فرض الله عليهم التي يؤمنون بها أنفسهم من سخط الله ووعيده ، وأليم عقابه وعذابه.

أول تلك الأعمال: الإقرار والتصديق بالقلب واللسان ، فكل ما عمله العبد فهو مكتوب له عند الله مادام حيا عاملا ، ومعنى مكتوب: محفوظ ، قال الشاعر:

فعمل العبد يزيد كل يوم ولا ينقص ، إلا أن يرتكب كبيرة من معاصي الله فيكون غير مؤمن نفسه من سخط الله ووعيده ، ويحبط عمله كله ، فإن تاب بعد ذلك وأناب وأطاع الله ورسوله في جميع ما أمر به ونهى عنه ، أحبط الله سبحانه ما تقدم من معاصيه فأبطلها ، ورد عليه ما كان حبط من حسناته كما قلناه قبل.

وقد وصف الحكيم العليم في كتابه المبين أن الإيمان يزيد, ولم يصف أنه ينقص فقال الله سبحانه:?وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون? في أشباه لذلك يدل الله جل ذكره بها على أن الإيمان يزيد.

فأعلم جل ذكره أن المؤمن لنفسه من سخطه ووعيده من عباده بفعله طاعاته إذا أنزلت سورة ازداد بفعل ما فرض الله فيها وأحدثه من فرض عليه ، وإقرار بها إيمانا لنفسه من سخطه وعذابه ، وأن المريض القلب المصر على معاصيه يزداد رجسا إلى رجسه ، بخلافه ما أنزل الله ويموت على ضلاله كافرا.

فنحن نقول: إن الإيمان يزيد كما وصف الحكيم العليم ، ولا نقول: ينقص إذ لم يصف الحكيم العليم أنه ينقص ؛ ولأنه لا يجوز أن يقال: ينقص إلا عند ما يرتكب العبد معصية لله سبحانه تسخطه عليه ، وتوجب وعيده له ، وهذه حال قد أعلمنا الله فيها أن عمل عبده يبطل كله ويحبط ، فليس لذكر النقص معنى مع بطلان الكل.

فأما دعاء الله جل ذكره المنافقين الذين قد أجمعت الأمة على كفرهم واستحقاقهم وعيد الله ولم يخرجوهم من أحكام أهل الملة بقوله جل ذكره:?يا أيها الذين آمنوا? كما قال لعبد الله بن أبي وأضرابه:?يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون? إلى قوله تعالى: ?لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين? فإنه دعاهم بالصفة لما انتحلوه كأنه قال سبحانه: يا أيها الذين زعموا أنهم آمنوا ، وليس ذلك الذي دعاهم به موجبا لهم أن يكونوا مؤمنين أنفسهم من سخط الله وعقابه ، ولكن يوجب أن يكون معهم إقرار بالإيمان باللسان لا ينفعهم ، ألا ترى أنه جل ذكره وصف أنهم يسألون الرجعة عند معاينة الموت ، والمؤمن لا يسأل الرجعة عند الموت ، بل يكون بما تلقاه به الملائكة من البشرى فرحا مسرورا ، وإنما يكون اسم الإيمان الحق واجبا لمن دعاه الله فقال: يا مؤمن ، فهذا يكون دعاء بحقيقة الإسم لا بالصفة ، وقد بينا هذا في كتابنا الكبير في الإيمان ، وأوضحناه إن شاء الله ، وكذلك كل من أصر على شيء من كبائر معاصي الله وذنوبه ، التي تكتب عليه في كل يوم وساعة تزيد ولا تنقص إلا جملة ، قياسا على ما تقدم وصفنا إياه من زيادة الإيمان.

وإني لأكثر التعجب من قوم يسمعون الله سبحانه يصف في محكم كتابه الإيمان بالزيادة ويقولون هم: لا يزيد.

واعلم هداك الله أن التقوى والإحسان والإسلام والإصلاح من أوصاف الإيمان ومعانيه ، التي يؤمن العبد بها نفسه من سخط الله وعقابه ، إذا أتى مع ذلك بجميع ما فرض الله عليه ، فيكون قد آمن نفسه ، ألا تسمع إلى قول الحكيم العليم:?قالت الإعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم? الآية فأعلمهم أنهم لم يكن منهم ما يستوجب إيمان أنفسهم ، ولكن كان منهم التسليم وإظهار قبول الحق الذي لا ينفع في الآخرة وينفع في الدنيا إذا قارنه معصية لله كبيرة وقد يكون العبد متقيا لله في بعض الأمور ومسلما وبرا ومحسنا ، ويكون مع ذلك غير متوق شيئا آخر ، ولا بر ولا محسن في غير ما أحسن فيه ، فيجوز أن يسمى فيما اتقى وأسلم وأحسن باسم ما فعل ويكون ذلك نافعا له مع إصراره على معاصي الله ولا يكون مستحقا اسم الإيمان الممدوح أهله الموجب رضوان الله ؛ لأنه قد كان منه مع تقواه وبره في إحسانه ما لم يؤمن به نفسه من سخط الله ووعيده ، ولم يكن منه تقوى لله ولا بر ولا إحسان فيه ولا يكون متقيا لله غير متق له, ولا مسخطا لله غير مسخط له ، ولا محسنا عند الله غير محسن عنده ، مستوجبا للجنة وغير مستوجب لها ومستوجبا للنار وغير مستوجب لها في حال واحدة.

وقد يجوز أن يقال لهؤلاء جميعا: إنهم متقون ومحسنون ومقرون ومؤمنون فيما كان منهم من تقوى وإقرار وإحسان ، تقوى وإقرارا وإحسانا لا ينفعهم ، مع ما قارنه من كبائر معاصيهم لله المحبطة كل عمل صالح إذا أصر عليها فاعلها ولو لم يكن في هذا إلا شهادة الله بنص كتابه أن المؤمن لا يستوي هو والفاسق لكفى وأغنى ، وذلك قوله جل ذكره:?أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون? وقوله:?وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون? ونحن نفسر معنى الآية في باب الشرك إن شاء الله.

وقوله تعالى:?الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين? وقد مدح جل ذكره نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ?بالمؤمنين رؤف رحيم? فلو كانوا مؤمنين حقا لم ينه أن تأخذ المؤمنين بهم رأفة في دين الله.

وفي هذا القدر بيان لمن نصح نفسه ولم يغرها ويوطئها عشوة ويغر المستضعفين ويسهل لنفسه ولهم طريق معاصي الله إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت