فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 38

قال الحسن بن علي [الناصر] عليه السلام: إعلم هداك الله أن الكفر والجحد والستر بعضه قريب من بعض في لغة العرب ، ويقوم بعضه مقام بعض كما يقوم الشكر للمعروف والإيمان والإقرار والتصديق مقام بعض ، وهذه الأسماء الأخيرة اضداد للأسماء الأولى ، ولها معان وأوصاف تتفرع منها ، أنا ذاكرها فيما بعد إن شاء الله.

تقول العرب: شكرت معروف فلان ، وأقررت وصدقت بمعنى واحد وتقول: سترت معروف فلان, وجحدته وكفرت به بمعنى واحد ، قال لبيد بن ربيعة يصف دخول الشمس في الليل ومغيبها في الظلام إذا غابت بغروبها:

وقال في بيت آخر:

يريد أن الليل ستر الشمس وكفرها ، وأن النجوم يسترها الغمام فكفرها.

وتقول العرب: جاءنا فلان متكفرا بالسلاح أي مستترا ، والكفر: هو الجحد لنعم الله والستر لها ، التي غمرت جميع خلقه قال الله سبحانه وتعالى في بيان ذلك:?الله الذي خلق السموات والأرض وانزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك? الى قوله:?إن الإنسان لظلوم كفار? أي كفار لنعمه عليه بمعصيته إياه ، ظلوم لنفسه بذلك ، وقال جل ذكره من أول سورة النحل يذكر نعمه على عباده ، ويذكرهم بها ليطاع ولايعصى الى قوله: ?وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها إن الله لغفور رحيم? ثم ذكَّرَهم نعمه الى آخر السورة.

وفي الفرقان من هذا مايكثر مما فيه هدى وشفاء والحمد لله ، فكل من عصى الله متعمدا وأصر على معصيته ، كانت من الكبائر التي اوعد الله عليها سخطه وعذابه فقد كفر نعمه وجحدها وسترها ولم يشكرها ، فالكفر ضد الشكر ، قال عنترة:

أنبئت عمرا غير شاكر نعمتي والكفر مخبثة لنفس المنعم

قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة وهم يكسرون الأصنام:

كفرا بك اليوم ولاشكرا لك والحمد لله الذي أهانك

وقال سبحانه مايدل به على أن الكفر ضد الشكر ، وأن شكره إنما يكون بطاعته وعبادتهم إياه ، وأن كفرهم إنما يكون بركوب معاصيه ، ومخالفة عبادتهم إياه لاأنهم يقولون بألسنتهم: إنهم قد أقروا وشكروا ، ولاإنهم قد جحدوا وكفروا قال الله سبحانه:?اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور? أي اشكروني ياآل داود بعملكم مافرضت عليكم بطاعتكم إياي في أمري ونهيي.

وقال جل ذكره واصفا قول سليمان عليه السلام:?هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر? الآية وقال عزوجل:?لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد? وقال سبحانه:?اذكروني أذكركم واشكروا لي ولاتكفرون? في امثال لهذا تكثر.

ومما اكد سبحانه بيانه في ذلك بكتابه المبين الشفاء للمؤمنين ، ماأمر به عباده من ذكر نعمه عليهم وذلك فكثير في كتابه المبين.

ومعنى ذكرهم لنعمه أن يذكروها فيشكروها بالعمل له بطاعته فيما أمر به ونهى عنه ، لاأنهم يذكرونها فقط فلا ينسونها ، وإن كانوا عاملين بما يسخطه ، فمن عمل بمعاصيه فهو غير ذاكر لنعمه.

وقال سبحانه في ذلك:?يابني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وأوفوا بعهدي اوف بعهدكم وإياي فارهبون? (أي اعملوا بما عهدت اليكم أوف بما ضمنت لكم من الجزاء على طاعتكم) ?وإياي فارهبون? أي خافوا وعيدي وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم من التوراة والكتب الأولى يقول: آمنوا بالقرآن ?ولاتكونوا أول كافر به ? أ و لاتكونوا أول من يجحد القرآن ويستره, وقد تقدم اليكم ذكره في كتبكم الأولى ?ولاتشتروا بآياتي ثمنا قليلا ? أي ولا تبيعوا ماقد تبين لكم من الحق في القرآن, بالثمن القليل من اتباع الهوى وتقليد الرؤساء ?واياي فاتقون? أي فاحذرون وتوقوا عقابي وسخطي عند عصيانكم اياي 0

وقال جل ذكره: ?يابني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين? إلى قوله: ?ولاهم ينصرون? وقال سبحانه: ?وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ? إلى قوله:?فإن الله لغني حميد? .

وقال عزوجل لأهل ملة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما أمرهم به من طاعته وأداء فرائضه بعد ما ذكر من أمره ونهيه في النكاح والطلاق: ?ولاتمسكوهن ضرارا لتعتدوا ? إلى قوله: ?إن الله بكل شيءعليم? وقال جل ذكره بعد أن عدد كثيرا من نعمه في سورة النحل:?والله فضل بعضكم على بعض في الرزق? إلى قوله: ?أفبنعمة الله يجحدون والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا? إلى قوله:?وبنعمة الله هم يكفرون? فمرة يسمي جل ذكره ترك طاعته جحدا, ومرة كفرا, لاستواء الكلمتين في المعنى, وجعل بالباطل إيمانا، كما جعل بالحق إيمانا, وهذا فإيمان الإقرار, لاإيمان النفس من سخط الله وعقابه وقال سبحانه في آل عمران: ?واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا? إلى قوله: ?لعلكم تهتدون? فذكَّرهم بعض نعمه عليهم, ثم قال: ?لعلكم تهتدون? فتطيعون ولا تضلون فتعصون.

وقال جل ذكره في النساء ?مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما? معنى الإيمان هاهنا, إيمان النفس من سخط الله ووعيده بطاعته

ثم بين سبحانه في سورة (سبحان) فيما لولم أذكر غيره فيما عزوت لكفى فقال: ?ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا? يريد من أصناف الحيوانات والموات غير الملائكة المقربين.

وقال? وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا....? إلى قوله: ?من هو أهدى سبيلا? فوصف سبحانه مع ذكره لنعمه العمل الذي جعله شكرا عنها, كما قال?إعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور? فجعل عملهم بطاعته شكرا على نعمه, وتركهم العمل بطاعته كفرا منهم لنعمه.

وقال في مثل ذلك ?رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي....? إلى قوله: ?في عبادك الصالحين? فنسأل الله التوفيق بشكر نعمه بالعمل الصالح والإنتهاء عن معاصيه ، وهذا فبين والحمد لله.

ثم قال عزوجل: ?هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم? فاعترف بنعم الله عليه, ووصف بأن الله ابتلاه, ليعلم شكره عليها بطاعته, أو كفره إياها بمعاصيه، وقال سبحانه في العنكبوت: ?أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون? وهذا في القرآن بَيِّن كثير ، وفي اللغة العربية، ولايخفى عمن عرف اللغة العربية، فمن قلة معرفتها أتي أهل العلم ، والحمد لله أولا وآخرا.

واعلم هداك الله: أن الشيطان اللعين الرجيم ، لم يكن كفره بجحد منه لربه، ولاعدل به سواه، وإنما كان كفره وجحده من طريق ترك طاعته ، وأمره إياه بالسجود ، واستكباره على آدم لا على ربه إذ قال:?أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين? فكل عاص لربه كافر كإبليس ، وإن أكثر الناس الآن ليأتون من الإستكبار الذي كفَّر الله به ابليس ، وأخرجه من الجنة ولعنه بأكثر مما جاء به ابليس ، ولايرون عليهم في ذلك شيئا ولايعظم لديهم ، فيقول أحدهم للآخر: أتكلمني وتساويني في المجلس والقول ، وأنا ابن فلان القائد, أوابن فلان الملك الجبار المعاند ، أو ابن فلان المؤسر الغني ، وأنت ابن فلان الفقير المسكين ، أوابن فلان المؤمن الصانع بيده المكتسب ببدنه ، وماأشبه ذلك ، ولاتراهم يفخرون بأب كان نبيئا ولاورعا ولابرا ولاتقيا ، ولامؤمنا رضيا زكيا ، ولابأنهم في أنفسهم صالحون ولربهم مرضون مطيعون ، ولمعاصيه مجتنبون ومنها حذرون ، وهذا أكبر من استكبار الشيطان أومثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت