سواء كانت معاملاتنا مع الرب أو معاملاتنا مع العبد، أما مع الرب ففرطنا فيها أشد تفريط. فأين الشوق إلى رؤيته سبحانه ولقائه؟ فمن أحب الله بكى خوفًا من فوات قربه.
ومن خاف من الله بكى من ذنوبه.
ومن رجا الله بكى رجاء رحمته.
وهذه هي مقامات الإيمان الثلاثة: الحب، والخوف، والرجاء.
فلما ذهبت هذه المقامات تركنا البكاء من خشية الله - تعالى - لأنه كما قال أبو سليمان الداراني - رحمه الله تعالى: لكل شيء علم، وعلامة الخذلان ترك البكاء، ولكل شيء صدأ، وصدأ القلب الشَّبع [1] .
فأين البكاء وأين البكاؤون؟!
أما في الآخرة فلقد جعل الله - تعالى - البكاء من خشيته - سبحانه - سببًا من أسباب وقاية حرَّ الشمس يوم القيامة، وما أشد هذا الحر!
فعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تُدْنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم على قدر ميل» قال سليم بن عامر:
(1) سير أعلام النبلاء، الجزء العاشر، ترجمة أبي سليمان الدارني.