و قد عرف قطاع الخدمات استقطابا ملحوظا للاستثمارات الأجنبية للبحث عن السوق؛ إذ تزايدت حصته من ربع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر على الصعيد العالمي في أوائل السبعينات لينتقل إلى 50% عام 1990 ليصل عام 2002 إلى 60 % من إجمالى تدفق رأس المال الداخل بقيمة إجمالية تساوي 4 تريليون دولار (29) .
و نمو التدفقات النقدية باتجاه قطاع الخدمات أمر منطقي معزز باحتياجات الشركات متعددة الجنسيات للكثير من الخدمات من النوع التكييفي، كما أن هناك أنشطة خدمية مرتبطة بالبحث و التطوير التي بدأت تعرف نموا متسارعا هيمنت البلدان المتقدمة على القسط الأكبر من تدفقاته إذ وصلت حصتها إلى 72% من إجمالي التدفقات الداخلة من الاستثمار الأجنبي المباشر عام 2004،و كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر حظا في استقطاب استثمارات في قطاع الخدمات قبل سنة 2002 و بعد هذه السنة ظهر اليابان و الإتحاد الأوروبي كمصادر لحدوث تدفقات استثمارية خارجة في مجال الخدمات، إذ وصلت نسبتها إلى 10% (30) و هذا ما يعزز نتائج Lucas فيما يتعلق بدرجة استقطاب البلد للتدفقات الاستثمارية حيث سيكون نصيبه هو الأوفر إذا ما كان له السبق في الماضي في حيازة جزء منها و كان للخدمات المالية القسط الأوفر من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي الداخل و الخارج إذ كانت تمثل 37% و 48% على التوالي في سنة 1995 لكن تغير هذا الاتجاه و انخفضت أهمية النشاطات المالية لتصل إلى 31% من التدفق الداخل و إلى 35% من التدفق الخارج، إلا أن هذه النسب ما تزال مرتفعة بالنظر إلى حصة الخدمات الأخرى.
هذا التوجه نحو انخفاض النشاط المالي أو المصرفي مدفوع بتنامي حدة المنافسة بين البنوك و إقامتها للمشاريع في البلدان المضيفة للاستثمارات المباشرة لتضطلع باحتياجات كل العملاء في نقاط تواجدهم و بصفة آنية.
إن عامل الانفتاح غير المحدود و التحرير المالي الذي تفرضه و صفة صندوق النقد الدولي في برامج التكييف الهيكلي للسماح للاقتصاديات الناشئة بالدخول في الاقتصاد العالمي بأكثر كفاءة صار محل امتعاض من قبل الكثير من البلدان، بالخصوص منذ منتصف التسعينات أين تفجرت أزمات مالية ضربت اقتصاديات العديد من البلدان الناشئة؛ في أمريكا اللاتينية و بعض البلدان الآسيوية متزامنة مع تزايد تدفقات الاستثمارات الأجنبية بمختلف صنوفها بعد انتهاج هذه البلدان لسياسات التحرير المالي لحساب رأس المال، أثبتت فعليا حدتها في خلق الأزمات في سنة 1994 - 1995 أين تمكنت من عصف اقتصاديات بلدان أمريكا اللاتينية و زعزعت نموها و استقرارها بدءا بالمكسيك ثم الأرجنتين لتأتي خريف 1997 حاملة موجة من الانهيارات المالية ضربت العديد من الاقتصاديات الآسيوية.