ويلاحظ في كل آية منها أنه ذكر صفتين إحداهما متعلقة بالكفاءة المطلوبة للعمل، وهى الحفظ في الآية الأولى، والقوة في الآية الثانية، ثم التمسك بالقيم الأخلاقية ومن أهمها الأمانة والتى عبر عنها بالحفظ في الآية الأولى، وبأمين في الآية الثانية، وعلى هذا الهدى الربانى سار الرسول - صلى الله عليه وسلم - في اختيار العاملين في الدولة الإسلامية الأولى حيث كان يتخير عماله من صالحى أهله [1] .
كما أنه صلى اللَّه عليه وسلم صور سوء اختيار العاملين على أنه نهاية الدنيا في قوله: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة - قال: كيف اضاعتها يارسول اللَّه - قال: إذا أوسد الأمر إلى غير أهله» [2] . ولذا فإن إسناد الوظائف لمن ليس هو أهلًا لها محاباة للأبناء والأقارب والمعارف أو نظير رشوة يأخذها المسئول يعد من خيانة الأمانة التى قال فيها اللَّه سبحانه وتعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [3] ثم يعقب سبحانه في كلمة بالغة بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [4] فإن الرجل لحبه لولده أو أحد من أهله قد يؤثره في بعض الأعمال محاباة وهو يجد من خير منه لذلك العمل، وبالتالى يكون ولده فتنه له خان به الأمانة.
ومع هذا الهدى القرآنى والتوجيه النبوى جاء الفكر والتطبيق الإسلامي حيث تحدد مواصفات العاملين في صفتين جامعتين هما: الكفاءة في العمل، والأمانة، وفي ذلك يقول الماوردى في الشروط المطلوب توافرها في العاملين بداووين الدولة «والفصل الثانى من يصح أن يتقلد العمالة وهو: من استقل بكفايته، ووثق بأمانته» [5] وهو ما يتأكد لدى عالم آخر هو أبو يوسف في تقريره الذى رفعه إلى هارون الرشيد لاصلاح حال الدولة حيث يقول: «ورأيت أن تتخذ قومًا من أهل
(1) محمد كرد على - الإسلام والحضارة العربية، لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة - 1968 م صـ 96 - 111
(2) صحيح البخارى بشرح السندى - دار الشعب 2/ 129
(3) سورة الأنفال: الآية 27
(4) سورة الأنفال: الآية 28
(5) الأحكام السلطانية للماوردى - مطبعة مصطفى الحلبى بمصر صـ 209