منهم من يرى أنّ العمال فيما بينهم هم الذين يحدثون البطالة. لكن رغم اشتراك بعض النظريات والأفكار في مبدأ الانطلاق -سواء النظر من جانب الطلب أو جانب العرض- فإنها تختلف في مضمون التحليل لأسباب اختلال سوق العمل، وإن نظرية رأس المال البشري تعتبر من أهم هذه النظريات والتي حضيت ومازالت تحظى بالاهتمام الكبير من قبل الباحثين.
ظهرت نظرية رأس المال البشري مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات والمفكر الاقتصادي مينسر جاكوب (Mincer Jacob) هو أول من استخدم عبارة"الرأسمال البشري"في مقال نشره سنة 1958، لكن الظهور الحقيقي للنظرية الجديدة هو كان من خلال مقال"الإستثمار في الرأسمال البشري"الذي نشره الإقتصادي تيودور شولتز (Schultz Theodore) سنة 1961.
وحسب هذه النظرية تعد الموارد البشرية بمثابة رأسمال لها نفس أهمية الموارد المادية الأخرى وتسيٌر بنفس المبادئ. وإن الاستثمار في العنصر البشري هو كل إنفاق استثماري على التربية والتعليم يؤدي إلى زيادة إنتاجية الفرد الذي حصل على التعليم، وبالتالي إلى زيادة دخله ورفع مستوى معيشته. [1]
وإن أصحاب هذه النظرية يروٌن أن تكاليف الصحة والتكوين والتعليم أصبحت مكلفة جدا، لهذا فالإنفاق فيها يعتبر استثمارا بالنسبة للفرد العقلاني الذي سيفاضل بين المزايا التي سيتحصل عليها مستقبلا والتكاليف الحاضرة. فإذا أخذنا مثالا عن التعليم، فالفرد هو الذي سيقرر فيما إذا سيتوقف في المرحلة الثانوية أو الجامعية، فيما سيقوم بتعليم قصير أو طويل المدة، وفي كل الحالات فهو يفاضل بين الوقت الذي يخصصه للترفيه والوقت الذي يخصصه للعمل، إذا إختار الحالة الثانية فسوف يكلفه ذلك نفقات إضافية (استثمار) ، لكن ستعود عليه بالنفع مستقبل بمداخيل إضافية.
هذا المثال يعمم على الصحة والتكوين، فاختيارات الأفراد بالنسبة لصحتهم وتكوينهم هي التي تحدد مستقبلهم. إذن، وحسب أصحاب هذه النظرية فإن الاختلاف في الدخول يفسٌر باختيارات المستهلك العقلاني، وليس بوضعه الاجتماعي.
ونستطيع أن نقول بأن دور التعليم في التنمية الاقتصادية قد حضي منذ القدم باهتمام المفكرين فقد أكد
أدام سميث (A.Smith) على أهمية التعليم في إكساب الأفراد المهارات والقدرات اللازمة للإنتاج واستثمار الموارد الطبيعية التي تتحّول إلى رأس مال يصبح سلعا وخدمات بواسطة الجهد البشري. كتب في مؤلفه ثروة الأمم يقول:"... فاكتساب مثل هذه القدرات عن طريق رعاية صاحبها في أثناء تعليمه ودراسته وتدريبه يكلّف دائما نفقات حقيقية تعتبر رأس مال ثابت و متحققٍ في الواقع في شخصيته. وكما أن المواهب تعتبر جزءا من ثروة الشخص، فإنها تشكل جزءا من ثروة المجتمع الذي ينتمي إليه".
ويرى مالتوس (T.R.Malthus) صاحب النظرية المعروفة في العلاقة بين الموارد الطبيعية والسكان، أن التعليم عامل من عوامل تحديد النسل، كما يرى فيه طريقا لتنمية الحرص والتدبير و الادخار وكذا وسيلة فعالة للقضاء على الفقر، حيث يقول:"لقد خصصنا أموالا طائلة للفقراء التي نستطيع القول أنها"
(1) 1 - ... مدحت القريشي، اقتصاديات العمل، ط 1، دار وائل للنشر، الأردن،2007، ص 171