إن العنصر البشري يعتبر أهم العناصر الإستراتيجية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأي مجتمع لذا تسعى كل الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية إلى تطوير هذا العنصر بكل الوسائل والطرق، معتمدة أساسا على التكوين والتعليم؛ اللذان يزيدان من مخزون معارف رأسمالها البشري.
ويواجه التعليم تحديات تفرضها عليه مجموعة من التحولات التي يشهدها العالم المعاصر من ترسيخ العولمة، تزايد التكتلات الإقليمية، التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصال وحركات التكامل الاقتصادي والاندماج السياسي والتجارة الحرة وغيرها من التحولات التي لابد لها أن تنعكس سلبا أو إيجابا على تطور ونمو التعليم بصفة عامة والتعليم العالي بصفة أخص.
ففي وثيقة"إطار أولويات العمل"التي أصدرها مؤتمر باريس حول التعليم العالي، تم التأكيد على أنه يتوجب على مؤسسات التعليم بناء علاقات تكامل مع عالم الشغل، كما أكدت أن العلاقة بين التعليم والصناعة والإنتاج علاقة عضوية وضرورية وتبادلية، أي أن التعاون بين المؤسسات التعليمية وبين مؤسسات الإنتاج حتمي وضروري.
وقد كان التحليل الاقتصادي خلال العقود الماضية يرتكز على مفهوم نظرية رأس المال المادي التقليدي (الكلاسيكية) التي أهملت أهمية رأس المال البشري كعنصر من عناصر النمو الاقتصادي، إلى أن قدم شولتز Schultz مفهوما جديدا لرأس المال يتضمن نوعين رئيسيين هما رأس المال البشري ورأس المال غير البشري. وإن الاستثمار في رأس المال البشري خاصة من خلال التعليم العالي؛ يمكن أن يوفر لسوق العمل العمالة الضرورية والتي تكون على قدر كبير من المهارة وبالتالي زيادة الإنتاجية.
وفيما يخص التجربة الجزائرية في هذا المجال فقد كانت قائمة على علاقة آلية بين التعليم العالي والعمل، حيث أن سوق العمل كان يعمل على إدماج مخرجات التعليم العالي في مختلف القطاعات الاقتصادية
وبالأخص القطاع العام. ولكن مع ظهور وتفاقم ظاهرة البطالة خاصة في السنوات الأخيرة بالجزائر ظهر أنها لم تعد تخص فئة غير المتعلمين فقط ولكنها تتعدى إلى بطالة المتعلمين خاصة خريجي الجامعات، ومما لا شك فيه أن من أهم أسباب بطالة المتعلمين عدم مواءمة التعليم العالي مع متطلبات سوق العمل، ذلك أن الجزائر سعت وتسعى دائما إلى تكوين أكبر عدد ممكن من حملة الشهادات الجامعية دون مراعاة النوعية.
أولا: الاستثمار في رأس المال البشري وتخفيض البطالة
إن التحليل الكلي لسير سوق العمل كان ومازال محل نزاع، نظرا لتغير التطور الهيكلي للبطالة، فالتفكير بطريقة مواجهة العرض والطلب الكلي للعمل جعل اقتصاديي العمل يدخلون تدريجيا عناصر جديدة في تحليل الظواهر الموجودة في سوق العمل، تختلف هذه العناصر حسب رؤية مختلف الاقتصاديين، فمنهم من يرى أن عارض العمل هو سبب ظهور البطالة، و منهم من يرى أنّ طالب العمل هو سبب ظهورها، و