أحدثت الإنجازات الاقتصادية الاستثنائية لليابان خلال مرحلة ما بعد الحرب
العالمية الثانية الجدل بعد نجاحها في تحقيق ما يشبه المعجزة الاقتصادية خلال فترة
قصيرة من الزمن. فخلال ثلاثة عقود من الزمن فقط حولت اليابان نفسها من بلد حطمته
الحرب يتركز انتعاشه الصناعي في إنتاج"الأجزاء الرخيصة"والسلع الاستهلاكية البسيطة
إلى دولة ثرية ورائدة على مستوى العالم في مجال الصناعة التقنية المعقدة وحققت
بذلك نقلة نوعية خلال عقود قليلة مع أنها تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الموارد الطبيعية. وفي المجال التجاري ساهم نجاح الصادرات اليابانية في تعزيز الفائض في تعاملات البلاد الدولية منذ السبعينات من القرن الماضي. وتم استثمار هذا الفائض الضخم في الخارج مما أدى إلى خلق حصة ضخمة من الأرصدة الخارجية لليابان. ومنذ هذه الفترة بدأت الدراسات الغربية تتحدث عن"المعجزة الاقتصادية اليابانية"وتحذر من مخاطر النمو الاقتصادي الكبير الذي حققته. وبالفعل ففي منتصف الثمانينات ارتقت اليابان إلى القمة كأكبر دولة دائنة في العالم. وقد كان النمو الاقتصادي الياباني بعد انتهاء الاحتلال مذهلا في حجمه وسرعته واستمراره حيث قفز إجمالي الناتج القومي الياباني بين 1975 - 1984 من 8,30 بليون دولار إلى 1,261 تريليون دولار إي بقفزة بلغت 42 ضعفا (Kozo & Okimoto, 1987:175) . وكان الاقتصاد الياباني قد حقق نمو سنوي تصل نسبته إلى 9% خلال فترة النمو العالمي في الستينات (Kozo & Yasukichi, 1987: 95) .
وبرغم أن التجربة الثانية تكاد تكون مختلفة جذريًا عن التجربة الأولى في عهد ميجي، إلا أن اليابان وصلت إلى تحقيق المعجزة الاقتصادية تلك لأنها بنت نهضتها الثانية على إيجابيات النهضة الأولى، أي أن صانع القرار الياباني انطلق من تقييم تجربته الأولى ليعيد بناء نفسه في تجربة جديدة (الحداثة في خدمة المجتمع) بدون حكم عسكري وبدون قوى عسكرية قوية بعد أن دفعت اليابان ثمنًا غاليًا للنتائج السلبية لمقولة (الحداثة في خدمة العسكر) (ظاهر، 1999: 357) .