الصفحة 17 من 46

إن الرغبة التاريخية اليابانية للتعلم من الأخر مع مركب الشعور بالخوف من هذا الأخر والحذر منه قد زودا الرغبة اليابانية الملحة في ردم الفجوة بقوة كافية ليدفعا باليابان إلى قمة الترتيب العالمي. حيث وفر النجاح الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لليابان ثروة هائلة كما واجهها بكل من الفرص والالتزامات المصاحبة للتحول إلى قوة رئيسة في الاقتصاد السياسي الدولي. ومع ذلك فإن هذه الثروة والقوة الجديدة قد أثارت مرة أخرى خوف وقلق جيران اليابان ودفعت باليابان نفسها للقيام بنوع من استكشاف الذات حول مسئولياتها العالمية.

اليابان في الوقت الحاضر: عملاق اقتصادي وقزم سياسي

مع نهاية الحرب الباردة كانت اليابان قد حققت طموحها باللحاق بالغرب صناعيا واقتصاديا مما جعل البعض يرشحها للعب دور أساسي في السياسة الدولية، إلا أن وصول اليابان إلى قمة ترتيب القوى العالمية قد ترافق مع سلبية يابانية حيال لعب دور قيادي في الشؤون الدولية حيث استمرت اليابان في التصرف وكأنها شركة تجارية دولية أكثر من كونها دولة قومية، مما جعل آخرين يفضلون استخدام عبارة"عملاق اقتصادي وقزم سياسي"كثيرا لوصف الدور الياباني غير المتماثل على الساحة الدولية. إلا أن تلك الممارسة لم تعد مقبولة بالنسبة للقوى العظمى الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وخاصة مع تزايد حجم الفائض التجاري الياباني مع الولايات المتحدة وإخفاق المحاولات الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة وحتى الآن في تصحيح العجز التجاري مع اليابان الذي تجاوز نطاق 50 بليون دولار. وبدأ واضحا أن التغير المثير للظروف الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة قد خلق ضغوطا على علاقات الحامي- التابع التقليدية بين الولايات المتحدة واليابان، حيث لم يعد من المقبول أمريكيا التوقع أن تتحمل أكبر دولة مدينة في العالم"الولايات المتحدة"معظم تكاليف الدفاع عن أكبر دولة دائنة في العالم"اليابان". وهذا بالتالي دفع الساسة الأمريكيين إلى الضغط على اليابان لإعادة تقييم سلوكها في النظام الدولي وتقاسم عبء المحافظة على النظام الدولي الجديد وخاصة مع الازدهار الاقتصادي الياباني في السنوات الأخيرة والتراجع النسبي للهيمنة الأمريكية. ويبدو أن مفهوم تقاسم العبء قد بدأ يدخل قاموس النخبة اليابانية وأنعكس هذا في بعض المجالات التي بدأت اليابان تلعب فيها دورا قياديا ومنها برنامج المساعدات التنموية الدولية، وإدارة أزمة ديون العالم الثالث (NYT, 17 April 1989: A 1) ، وتمويل الدين الأمريكي والمشاركة في قوات حفظ السلام الدولية. ففي سنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت