1989 م تجاوزت المساعدات الخارجية اليابانية البالغة 8,9 بليون دولار مقدار المساعدات الأمريكية مما جعلها أكبر دولة مقدمة للإعانات لأول مرة. وبرغم أن مساعداتها الخارجية في سنة 1990 م قد قاربت 10 بليون دولار إلا أنها لا تزال تمثل أقل من 1% من إجمالي الناتج القومي الياباني مما يعني أن لدى اليابان قدرة على زيادة حجم تلك المساعدات (Meeks, 1993:63) . ومع ذلك فقد أثبتت النخبة اليابانية مرة أخرى مقدرة فائقة على توظيف هذا الدور الجديد بشكل ايجابي لخدمة المصالح اليابانية وتوسيع حصة اليابان في السوق العالمية حيث مولت اليابان نطاقا واسعا من مشاريع التنمية في بلدان عديدة ليس فقط في أسيا وإفريقيا والشرق الأوسط ولكن أيضا في وسط وشرق أوربا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي (Akaha & Langdon, 1993: 8) .
ولذا فإن انهيار بناءات الحرب الباردة في السياسة الدولية قد أضر بالعلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة واليابان كما فرض على النخبة اليابانية ضرورة مواجهة تحدي أعباء وضعها الجديد في النظام الدولي. فخلال فترة الحرب الباردة نظرت الولايات المتحدة لليابان كبلد حيوي لا منها القومي كما أن نشاطات اليابان الاقتصادية لم تكن تشكل عبئا على الرفاه الأمريكي، إلا أن انتهاء الحرب الباردة قد قلب ذلك التصور رأسا على عقب. فاليابان تعتبر اليوم أقل أهمية للولايات المتحدة من الناحية الإستراتيجية بل أنها أصبحت ترى في اليابان تهديدا رئيسا في المجال لاقتصادي. ومن المثير للسخرية أن الولايات المتحدة نفسها تقترح أن الوقت بالنسبة لليابان لتطوير جيشها وزيادة نفقاتها العسكرية وممارسة حصتها العادلة من مسئوليات حفظ السلام العالمية. أما اليابان فترى أن نهاية الحرب الباردة والازدهار الاقتصادي يفرضان عليها تبني نظرة جديدة أكثر استقلالية وخاصة بعد أن أصبحت الضمانات الأمنية الأمريكية اليوم أقل أهمية، كما أن اليابان أقل اعتمادا على التقنية الأمريكية في تنميتها الاقتصادية. ومع ذلك لا يبدو أن النخبة اليابانية في عجلة من أمرها للتخلص من التصور السائد عنها"كعملاق اقتصادي وقزم سياسي"والاستعداد لممارسة دور أكثر فاعلية في السياسة الدولية.
وتأسيسا على ذلك يمكن القول أن اليابان اليوم قد تحولت إلى قوة اقتصادية هائلة حيث تنتج قرابة 15% من إجمالي الناتج القومي العالمي محتلة في ذلك المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. وبرغم أن اليابان كانت، حتى وقت قريب، تتمتع بفائض تجاري ضخم مع كل من أوربا والولايات المتحدة كما تعتبر اليوم من أكبر المانحين للمساعدات التنموية الدولية، وأكبر مصدري رأس المال، و أبرز دولة دائنة إلا أن التأثير الجيو سياسي لليابان على المسرح الدولي لا يوازي قوتها الاقتصادية تلك. ويرجع الأمر في ذلك لسببين أساسيين أولهما مرتبط بالقيود الدستورية التي