الصفحة 27 من 46

أشداء في الماضي فإن نفس القيم هي التي تدفعهم اليوم في مجالات المؤسسات الاقتصادية العملاقة.

ثانيا: التفسير التاريخي

يزعم جورج بول Ball نائب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أن التاريخ الياباني لم يرسم إطلاقا بنفس المنحنيات المتموجة التي ميزت تطور البلدان الأخرى وأنه بدلا من ذلك:"فإن تاريخ التطور الياباني يشبه بدرجة كبيرة الخطوط المستقيمة المتعاقبة التي تنقطع بانتظام بزوايا حادة عندما تنحرف أمة بأكملها، تسير بسرعة كبيرة، فجأة كفرق الجيش المدربة تماما لسلك طريق جديد. وهو الأمر الذي ليس له مثيل في التاريخ البشري كله" (As cited by Pyle, 1992:12) .

ويمكن النظر للتاريخ الياباني على أنه بسيط ومعقد في نفس الوقت. فبرغم أن المجتمع الياباني بقي مجتمعا مغلقا في وجه العالم الخارجي لإلف سنة إلا أنه تحول خلال المائتي سنة الأخيرة إلى نسخة متسارعة من تاريخ معظم الدول القومية الحديثة في أوربا. حيث شهدت تلك الفترة أفول الإقطاع، وبروز ملكية عسكرية أوتوقراطية، وظهور قوة إمبراطورية استعمارية، وحروب، وهزيمة، وديمقراطية، وتصنيع سريع. هذه السلسلة المتعاقبة من التطورات غير المتوقعة هي التي أخذت اليابان من قرون من الانعزال المتخوف إلى حد التشبه بالغرب في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، ومن الإمبريالية العسكرية إلى التجارة الهادئة في النصف الأول من القرن العشرين ومن اقتصاد متخلف إلى قيادة مترددة في الاقتصاد السياسي الدولي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وبرغم هذه التناقضات الهائلة إلا أن التاريخ الياباني كان مطبوعا بنوع من الاستمرارية. وكان أول نموذج لهذه الاستمرارية يتمثل في أن مشروع التنمية في اليابان كان تراكميا ولم يشهد صراعا بين ماض وحاضر كما شهدته أوربا عصر النهضة أو بلدان العالم غير الأوربي. ويهمنا هنا بوجه خاص ذلك الدور الذي لعبته فترة حكم توكوجاوا في"إيدو"من 1600 م-1686 م حيث بدأ المؤرخون يشيرون بشكل متزايد إلى أن عناصر المجتمع الحديث لم تصل فجأة إلى شواطئ اليابان على متن سفن القبطان بيري السوداء بل أن مجتمع إيدو كان قد وضع قبل ذلك القاعدة الأساسية لجوانب عديدة من عملية التحديث خلال فترة قرنين من الزمن من العزلة القومية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت