الطوعية. فمع أن اليابان كانت آنذاك ذات اقتصاد سابق للتصنيع، ونموذج سياسي إقطاعي إلا أن مؤسساتها كانت مركبة ومتقدمة جدا، كما لم تكن إدارتها البيروقراطية تقل عن مثيلاتها الأوربية من حيث الأمانة والكفاءة، ولم يختلف مستوى التعليم فيها كثيرا عن مستويات التعليم في أكثر الدول الغربية تقدما، حيث بلغت نسبة الرجال المتعلمين فيها 45 %والنساء 15 %. ولذلك فليس هناك شك في حقيقة أن اليابان استفادت كثيرا من عمليات التحديث التي بدأتها مبكرا، خلال فترة التوكوجاوا، وبالتالي لم تكن الفجوة التكنولوجية بينها وبين الغرب آنذاك فجوة واسعة (رايشاور، 1989:111 - 113) . وفي هذا السياق إيضا أشارت سوزان هانلي في Everyday Things in Premodern Japan الصادر في سنة 1997 م إلى أن
ازدياد الانتاج الزراعي وتطور التجارة حسنت بشكل مثير الظروف المعيشية للناس العاديين خلال تلك الفترة، كما أن النظم المتطورة فيما يتعلق بالصحة العامة والعناية بالبيئة (وخاصة التخلص من النفايات واعادة التدوير) قد دلت على مستوى حضاري متقدم. وهناك عوامل أخرى أوردت لتدعيم فكرة التنمية اليابانية خلال فترة الإيدو منها تقدم طرق المواصلات والاتصالات ووجود اقتصاد نقدي معقد وشعب جيد التعليم نظرا لدور المدارس الرسمية والانتشار الواسع للمدارس المحلية التي عرفت باسم terakoya ومستوى عال من حب الإطلاع الفكري كما ظهرت في أعمال عدد من المفكرين المهتمين بالتاريخ الطبيعي والمعرفة الغربية (Shuji,1998: 6) .
أما ثاني نموذج فتمثل في اليابان كمقلدة. فعبر التاريخ استعارت اليابان،
وعلى نطاق واسع، من أفكار ومؤسسات وتقنيات تلك الثقافات والمجتمعات التي اعتبرتها
متفوقة عليها لكنها تكاد تكون الدولة الآسيوية الوحيدة التي استطاعت، وبسرعة قياسية أن تستوعب تلك التكنولوجيا ومن ثم تطورها لتتجاوز الغرب في كثير من السلع الإلكترونية، وصناعة الإنسان الآلي (Robot) ، والبصريات، وأجهزة الإعلام، والأجهزة الطبية وغيرها (ظاهر، 2004) .
ولا ينكر اليابانيون هذه الظاهرة بل يعترفون بأنهم نقلوا عن الغرب، ومستمرون في نقل أحدث أشكال التكنولوجيا التي هم بحاجة إليها دون عقد أو مركب نقص. إلا أن ذلك لم يجعل اليابانيون يشعرون بأنهم مرغمون على المحافظة على نقاء تلك الأشياء المستعارة من الخارج بل عملوا على تكييفها لتتناسب مع احتياجاتهم الخاصة وغالبا ما طوروا أو عززوا النسخة