ثالثا: التفسير الاقتصادي
(الرأسمالية الليبرالية مقابل الرأسمالية التنموية)
ركز الاقتصاديون المتأثرون بتوجه الرأسمالية الليبرالية كما هو مألوف عنهم على أولوية قوى السوق في اليابان ودعوا إلى تقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لأنه يتسبب بنظرهم في تعطيل قانون العرض والطلب ومن ثم خفض الإنتاجية. وشددوا على أن دور المبادرة الفردية ومبادرة الشركة في سوق مفتوحة، إلى درجة كبيرة، كانا دافعين رئيسين وراء النجاح الاقتصادي في اليابان. وطبقا لهذا التفسير فليس هناك شيء استثنائي حول نموذج الرأسمالية اليابانية وأن العوامل غير الاقتصادية قد لعبت دورا هامشيا في التنمية الاقتصادية اليابانية. أما فيما يتعلق بالتأثير الايجابي للحكومة اليابانية على النمو الاقتصادي فقد كان من خلال سياسات اقتصادية كلية حكيمة حيث يتم الإشارة مثلا إلى أن نظام الضريبة الياباني كان ملائما لمعدلات فائدة مرتفعة، كما أن غياب تنظيمات محاربة الاحتكار قد أسهم في ازدهار قطاع الأعمال، كما سمح للشركات اليابانية بتجميع مواردها معا في سبيل تحقيق أبحاث أو تنمية مشتركة. وفي مجال التركيز على دور المبادرة الخاصة في تطور اليابان أنتقد أنصار هذا التوجه على وجه الخصوص النظرة القائلة بأن"السياسة الصناعية"ذات علاقة وثيقة بفهم الأداء الاقتصادي المذهل لليابان. فضلا عن أنهم متشككون حيال قدرة البيروقراطيين الاقتصاديين على صياغة خطة اقتصادية قومية متماسكة تتوقع الصناعات"الرابحة"و"الخاسرة"في المستقبل (Fields & Norville, 1996: 265) .
باختصار يمكن القول أن أنصار هذا التوجه يحاولون افقاد الثقة بأي طريق مغاير لـ"الطريق الأميركي"وايجاد الأسس الإيديولوجية الصلبة من اجل استمرار النظام الليبرالي المهيمن والمتمحور حول الولايات المتحدة. ومع ذلك فإن نظريات هذا الاتجاه تخفق كثيرا في تفسير الحياة الاقتصادية في اليابان اليوم.
فمن الملاحظ أن من أبرز الخصائص المميزة للسياسة الاقتصادية اليابانية تلك الروابط غير الرسمية الوثيقة بين ثلاث جماعات مهمة على الساحة اليابانية تسيطر على صنع السياسة الاقتصادية في البلاد متمثلة في قيادات الخدمة المدنية، وكبار رجال الاعمال، وقيادات الحزب الليبرالي الديمقراطي، فيما أصبح يعرف بالمثلث الفولاذي (Vogel,1979) (Iron Triangle) . ووفقا لتلك التركيبة فإن البيروقراطيين وليس السياسيين أو رجال الاعمال هم الذين تولوا وضع معظم السياسات والتشريعات التي جعلت من اليابان عملاقا اقتصاديا والأكثر أهمية أن معظم قيادات