الصفحة 32 من 46

الحزب الييبرالي الديمقراطي (الذي حكم اليابان منذ 1955 م وحتى الآن فيما عدا فترة زمنية قصيرة في 1993 م) ومعظم رجال الأعمال كانوا هم أنفسهم قد عملوا ضمن قطاع الخدمة المدنية. ومن ثم فإنه وبعكس الحال في الولايات المتحدة حيث العلاقة غالبا ما تكون عدائية ما بين رجال الاعمال والحكومة فإن النخبة اليابانية تعتقد أن التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص هو أفضل طريق لتحقيق النمو الاقتصادي. وكان من نتيجة ذلك التعاون تبلور ما أصبح يعرف بنموذج"رأسمالية الدولة"أو"اليابان الشركة""Japan, Inc.".

ففى الوقت الذي اعتمدت فيه الدول الرأسمالية الغربية على السوق الحرة لتوزيع رأس مالها عملت اليابان طوال النصف الثاني من القرن العشرين على إنشاء نظام مالي يقوم بتقسيم رأس المال وفقا لمعايير الحكومة. من جهة أخرى يمكن القول أنه برغم أن هناك تنافسا شديدا بين الشركات اليابانية على الأسواق كما يحدث في كل مكان إلا أن الرأسمالية اليابانية تختلف بشكل عميق عن الرأسمالية الفردية الأنجلو امريكية. فالمؤسسات والشركات اليابانية كما يقول جون جراي (Gray, 2000) تعتمد في تعاملها مع موظفيها ومع أفراد المجتمع على شبكات من الثقة بدلا من ثقافة العقود. وهي أقل انفصالا عن مجتمعها بالمقارنة مع مثيلاتها الغربية، كما أن لها علاقات وثيقة وراسخة مع مؤسسات الدولة (جراي،2000: 238 - 241) . وفي هذا السياق يشير بول كنيدي (1988) إلى أن التصنيع السريع في اليابان قد حدث تحت رعاية سلطة حكومية مركزية قوية تقوم على مبدأ التدخل. بل أن مؤسسات الدولة كانت هي العامل الحاسم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والصناعية عند كل منعطف في التاريخ الياباني. وأن تحديث اليابان كان ضرورة:

لا لأن المنظمين الأفراد كانوا يرغبون في ذلك، بل لأن الدولة كانت تحتاج إليه ... فقد شجعت الدولة بناء شبكة من السكك الحديدية والاتصالات البريدية والخطوط الملاحية، وعملت بالتعاون مع المنظمين اليابانيين الصاعدين على تطوير الصناعة الثقيلة وصناعة الصلب والحديد، وبناء السفن، وكذلك على تحديث إنتاج المنسوجات. كما كان الدعم الحكومي يقدم لتعزيز الصادرات وتشجيع النقل البحري وإقامة بنية صناعية حديثة. وفوق ذلك كله كان يكمن الالتزام السياسي الرائع بتحقيق الشعار القومي"دولة غنية ذات جيش قوي" (Kennedy, 1988: 266) ..

كذلك يشار إلى أن الرأسمالية اليابانية لم تقم على أنقاض النظام الإقطاعي كما حدث في أوربا بل أن تطور الشركات اليابانية الحديثة كان امتدادا لمؤسسات موروثة من القرون الوسطى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت