الصفحة 33 من 46

بل إن تدشين المشروع الاقتصادي الياباني الحديث في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والمستند إلى قاعدة صناعة قوية كان تجسيدا لنظام اجتماعي ظل قائما ولعبت فيه طبقة الساموراي المحاربين أولا ثم البيروقراطيين فيما بعد دورا حاسما (جراي، 2000: 238 - 241) . ومن ثم يمكن القول بأن دخول اليابان المفاجئ في الاقتصاد السياسي الدولي في القرن التاسع عشر قد أسهم في تطور نموذج الاقتصاد السياسي الميركنتالي الذي لا يرتكز على الحرية الليبرالية ولا على المساواة الشيوعية. فمنذ أن تيقن زعماء حركة ميجي الإصلاحية أنه يجب على اليابان أن تتطور بسرعة أو تواجه نفس مصير الصين آنذاك وتقع تحت السيطرة الامبريالية الغربية، لم تعد التنمية السياسية الموجهة من قبل الدولة مجرد وسيلة لخدمة

الشعب وإنما أصبحت بدلا من ذلك أداة للحفاظ على السيادة القومية. ولذلك فإن الشعار

القومي الذي أطلقه زعماء تلك الحركة"بلد غني وجيش قوي"كان يشير إلى أن إصلاحيي ميجي كانوا مدركين بشكل كامل منذ البداية للعلاقة الوثيقة بين التنمية الإقتصادية والتصنيع من جهة وبين القوة العسكرية والقوة السياسية في الساحة الدولية من جهة أخرى. كما أدركوا أن هدف تحديث اليابان وفق ذلك الشعار لا يمكن تحقيقه بدون أن تأخذ الحكومة اليابانية زمام المبادرة في توجيه كل الموارد المتاحة نحو تحقيق ذلك الهدف. وحدث هذا الأمر في ظل تقبل واسع لسياسة الحكومة من قبل قطاعات واسعة من الشعب ومن بينهم معظم كبار التجار الأثرياء الذين كونوا ثرواتهم أثناء حكم توكوجاوا والذين قاموا بتشغيل المشروعات الجديدة وبدأ الكثير منهم في مساندة الحكومة من خلال شركات تابعة لعائلات وإقامة بنوك مثل مجموعات زايباتسو التي كان لها دور في ضخ كمية كبيرة من الأموال لليابان في النصف الأول من القرن العشرين.

وحتى بعد سقوطها تحت الاحتلال قاومت اليابان محاولة الأمريكيين تقديم أسواق رأس المال القائمة على المنافسة في اليابان في أواخر الأربعينيات واستمر هذا التعاون بين الشركات الكبرى والدولة وازداد رسوخا وخاصة بعد أن قامت الحكومة منذ خمسينات القرن الماضي بتأسيس مؤسسات مالية متعددة لتوزيع رأس المال على الشركات والقطاعات التي تمثل أهمية للازدهار الاقتصادي مثل بنك الائتمان، بنك الاستيراد والتصدير، بنك للتنمية، بنك لتمويل الصناعات الصغيرة.

ويصور أولئك الذين يعتنقون هذا التفسير للدولة التنموية اليابان على أنها نوع مختلف من الرأسمالية وأنه يختلف بشدة عن النموذج الانجلو أمريكي (جراي، 2000: 238) . فبينما تمتلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت