فهرس الكتاب
إن معالجة تفاقم مشكلة البطالة في الدول العربية يمكن إرجاعها بشكل رئيس إلى ظاهرتين رئيستين هما:-
-تراجع قدرة القطاع الحكومي (القطاع العام) على تشغيل كافة القوى العاملة بالدول العربية مع الارتفاع المستمر لأعداد الداخلين الجدد لسوق العمل، حيث يشكل القطاع العام حاليا حوالي ثلث العاملين في البلدان العربية رغم معاناته من كبر الحجم وانخفاض الإنتاجية. [1] مما جعل الحكومات العربية غير قادرة على التوسع في سياسة التشغيل المتبعة في مؤسساتها غير الإنتاجية، وهذا ما نتج عنه تراجع لدور الدولة في لعب دور الموظف الرئيسي للأيدي العاملة لاسيما وأن لعب هذا الدور يزيد من البطالة المقنعة سيما وأن التوظيف في القطاع الحكومي لا يخضع التعيين فيه لنفس معايير الكفاءة و الإنتاجية السائدة في القطاع الخاص، بالإضافة إلى فشل الدولة في تجسيد برامج تعليم في معظم الدول العربية تتلاءم مع الحاجيات الفعلية لسوق العمل، كما أن التكوين والتعليم لا يواكب التطورات التكنولوجية السريعة الجارية في العالم. [2]
-محدودية الدور الذي يؤديه القطاع الخاص، وعدم قدرته على تحقيق فرص عمل كافية للباحثين عن العمل في الدول العربية، إذ تشكل القيود المباشرة وغير المباشرة المفروضة على الاستثمار مع عدم توافر البيئة الاقتصادية والسياسية المناسبة، والذي شكل عائقا أمام تطور القطاع الخاص وقيامه بدوره بشكل فعال، [3] بالإضافة إلى سياسات الانفتاح الاقتصادي والتعديلات الهيكلية التي كانت بإيعاز ومرافقة صندوق النقد الدولي وما صاحبها من تطبيق لبرامج الخوصصة، حيث نتج عنها تسريح العديد من العمال وفقدان وظائفهم في الشركات والمؤسسات العمومية سيما بعد خوصصتها. ومن جهة أخرى، ضعف التوجه نحو المشروعات الصغيرة والمتوسطة وعدم إعطاء القدر الكافي للاهتمام بتنميتها، كما أن نقص الاستثمارات الموجهة لتنمية الاقتصاديات العربية سواء على المستوى الدولي أو الداخلي، حيث يواجه قطاع الاستثمار في العالم العربي مشكلتان رئيسيتان تحدان من تطوره هما: نقص الاستثمار الأجنبي الموجه إلى الدول العربية والذي لا يتعدى نسبة 1% من حجم الاستثمارات الأجنبية العالمية، و المشكلة الثانية تتمثل في هجرة رؤوس الأموال العربية إلى الخارج، وعدم مشاركتها في تحقيق التنمية العربية، بالإضافة إلى سوء التخطيط الوطني الذي يتمثل في اختيار المجالات المناسبة التي يوجه لها الاستثمار القومي. [4]
لقد بذلت الحكومات العربية جهودا منفردة بهدف خلق فرص عمل وتشغيل طالبيه، ولكنها لازالت غير كافية، ففي مصر تمركزت هذه الجهود حول إنشاء الصندوق الاجتماعي للتنمية لتوفير فرص عمل للشباب، وقد رصدت الحكومة المصرية لهذا الصندوق مبالغ كبيرة ذهبت معظمها لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وفي سوريا تم استحداث البرنامج الوطني لمكافحة البطالة وتم تخصيص مبالغ مالية وفيرة لتشجيع قطاع الأعمال، وبشكل أساسي المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وحاضنات الأعمال وبعض البرامج المتخصصة، والتي كان هدفها عموما تعزيز مقومات اقتصاد السوق الاجتماعي وتنمية الطاقات الشابة. [5]
من جهة أخرى، قامت الحكومة الأردنية بتوثيق العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول المستوردة للأيدي العاملة الأردنية، كما عملت على جذب الاستثمارات المحلية والخارجية لخلق فرص العمل، بالإضافة إلى تشجيع سياسة التوظيف الذاتي من خلال دعم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتحفيز على العمل من خلال تقديم التسهيلات المالية مثل منح القروض لتمويل النشاطات المُدرة للدخل. [6]
كما عملت الحكومة المغربية على إنشاء صندوق لتدريب وتأهيل الشباب لخلق فرص عمل ذاتي وذلك بمساعدة جهات أخرى كالجمعيات غير الربحية والمصارف وغيرها، وفي الجزائر فإن التوجه الاقتصادي الجديد الذي تبنته الدولة الجزائرية منذ 1989، والمتمثل في توسيع نطاق المبادرة الخاصة، أدى إلى إنشاء وزارة خاصة بالصناعات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في جويلية 1993، [7] كما اتخذت الحكومة الجزائرية عدة خطوات تمثلت في إنشاء لجان في كل ولاية لتمكين الشباب من إيجاد مناصب عمل، وإنشاء جهاز للإدماج المهني للشباب في إطار وزارة العمل والضمان الاجتماعي، ولقد تم تحفيز الشباب على إنشاء مؤسسات بتمويل من البنوك الحكومية. [8]
وتعتبر دول الخليج أكثر الدول العربية وضعا للخطط الطموحة لمعالجة مشكلة البطالة، حيث عملت هذه الدول على وضع إجراءات لتحفيز القطاع الخاص على تشغيل المواطنين بدلا من العمالة الأجنبية، والتي تقدر بـ 09 ملايين عامل. حيث تم إعطاء الأولوية في التشغيل للعمالة الوطنية المحلية الخليجية ثم العمالة من الدول العربية الأخرى، وتعد الكويت مثالا واضحا لهذا التوجه، فقد قامت بتبني برامج محفزة للقطاع الخاص، وفي
(1) - حسين عبد المطلب الأسرج، المرجع السابق، ص 50.
(2) - منظمة العمل الدولية، المرجع السابق، ص ص 07 - 08.
(3) - حسين عبد المطلب الأسرج، المرجع السابق، ص 50.
(4) - منظمة العمل العربية، المرجع السابق، ص ص 07 - 08.
(5) - حسين عبد المطلب الأسرج، المرجع السابق، ص 51.
(6) - منظمة العمل العربية، المرجع السابق، ص 12.
(7) - حسين عبد المطلب الأسرج، المرجع السابق، ص 51.
(8) - منظمة العمل العربية، المرجع السابق، ص 11.