يقول هنري برجسون: (( لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعة بغير ديانة ) ) [1] .
فالإنسان يدرك من خلال فطرته السليمة أن له ربًا وإلهًا عظيمًا يتجه إليه بقلبه بالحب والتعظيم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [2] . وهذه الفطرة تظهر بجلاء في أوقات الشدة في دعاء للخالق وتضرع إليه {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [3] .
ومع عموم ظاهرة التدين (( فلا تخلو أمة من وجود (( ذاهلين ) )غمرتهم تكاليف الحياة وأعباؤها، إلى حد أنهم لا يجدون من هدوء البال وفراغ الوقت ما يمكنهم من رفع رؤوسهم للنظر في تلك الحقائق العليا [مما جاءت بها الرسالات السماوية] كما لا تخلو أمة من (( منكرين ساخرين ) )يحسبون الحياة لهوًا ولعبًا، ويتخذون الدين وهمًا وخرافة، ولكن هؤلاء دائمًا هم الأقلون في كل أمة وهم في الغالب من المترفين الذين لم يصادفهم من عبر الحياة وأزماتها ما يشعر نفوسهم معنى الخضوع والتواضع، وما ينبه عقولهم إلى التفكير في بدايتهم ونهايتهم. وهذا الاستثناء من القاعدة لا ينفي كون الغريزة الدينية بصفة عامة في طبيعة النفس الإنسانية )) [4] .
وإذا كان التدين فطرة إنسانية فهو أيضًا مطلب شرعي دعت إليه الكتب المنزلة ورغب فيه الرسل عليهم الصلاة والسلام ولذا لزامًا على
(1) انظر: محمد عبد الله دراز - الدين ص 82.
(2) الروم/30.
(3) يونس/22.
(4) محمد عبد الله دراز - الدين ص 82.