ولهذا فإنهم عندما يقاتلون فئةً وهي خارجة -لكنها ليست خارجة عن الدين- كما فعلوا في قتال الخوارج -مثلًا- فإنهم لا يجهزون على جريح ولا يتبعون مدبرًا، ولا يقطعون سبيلًا، إنما القتال هو نفسه قتال رحمة، كما سيأتي تفصيل معاملتهم -إن شاء الله- في قتال أهل البدعة، حتى وهم يقاتلون أهل البدعة، فإنهم يعاملونهم بمعاملة شرعية منصفة فيها الرحمة.
ثم قال رحمه الله في الحديث عن بداية السبب الثاني أو التوطئة الثانية لموضوع الفرقة، قال: ''وأول بدعةٍ حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقاتلهم'' وهنا لم يغز علي رضي الله عنه الخوارج ولم يبدأهم بقتال، مع أنهم اجتمعوا على هذه البدعة، وقال لأصحابه: [[دعوهم حتى يسفكوا الدم] ] وقصتهم مشهورة معروفة، فلما لقوا عبد الله بن خباب رضي الله تعالى عنه أضجعوه وذبحوه، وبقروا بطن الجارية، فحينئذٍ سفكوا الدم الحرام فاستحقوا أن يقاتلوا.
أما قبل ذلك فقد كانوا يرفعون أصواتهم بالصياح في جنبات المسجد، وهو على المنبر في الكوفة رضي الله تعالى عنه يخطب،