قال تعالي: (( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) )النساء. فإذا تَبيَّن ذلك للعاقل فآمن به، فليس له أن يقول: أقْبَلُ بعضَه وأرفض بعضه، أو يقول: إنَّ في صَدْرِي لحرجًا من قضية كذا (النسْخ مثلا) أو آية كذا، بل يقول كما يقول الراسخون في العلم: (( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) )آل عمران. قال تعالي: (( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) )الأعراف. فإذَا كُنَّا قد آمنَّا أنه منزَّلٌ من عند الله فقد لزمنا أن نقول سمعنا وأطعنا، فإذا اشتبه أو أشكل علينا فهم شيء من قضاياه أو آياته أو أسراره وحكمته وأمثاله، فقد وجب علينا أن نسأل أهلَ الذكر، وهم علماؤه، فَإنْ فَعَلْنَا: فقد زال الاشتباه، وتَميَّز الحق من الباطل، وتكشَّفَتْ من أسْرارِه ما نَزْداد به إيمانا.
وكمثال علي ذلك: قضَيَّة النسخ في الكتاب والسُّنَّة، وسوف يتضح - بعد بيان بعض حكمة النَّسخ وبعض أسراره - أن هذه القضية قد تُعَدُّ من وجوه الإعجاز عند العقلاء، لكن كثيرا من أهل الكتاب دَأَبُوا عَلَي التَّهجُّم علي القُرْآنِ بِسَبب هَذِه القضية وغيرها، مستغلين جهل أكثر المسلمين بدينهم بعامة، أو جهلهم بأمثال هذه القضايا بخاصة.
ومن عجبٍ أنَّ هؤلاء المُتَهَجِّمين نَسُوا أنَّ بَيْتهم من زجاج. فكان عليهم ألا يقذفوا الناس بالحجارة، كما يقول المثل (الِّلي بيته من زجاج .. ) لأن الناس لو رَدُّوا عليهم بالمثل لَهدَّمُوا بَيْتَهم عليهم بسهولة.