لأن هذه الوجوه كلها مما تبعث على النظر من قبلها للإيمان والتقوى، فهو لا يترك لأجلها شيئاً، وإنما إقامة شهوته دون ما عداها.
ومعنى قوله: «يأكل في سبعة أمعاء» يأكل أكل من له سبعة أمعاء، والمؤمن يحق له أكله، يأكل أكل من ليس له إلا معي واحد، فيشارك الكافر يجزء من أجزاء أكل الكافر، ويزيد الكافر عليه بستة أمثاله، والمعنى في هذا الحديث هو المعدة والله أعلم.
وقال لقمان لابنه: يا بني لا تأكل سبعاً فوق سبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله.
وسأل سمرة بن جندب رضي الله عنه - عن أبيه: ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة.
قال تبشم؟ قالوا: نعم قال: أما أنه لو مات ما صليت عليه، ولا بد من أكل اللحم، فإن عمر رضي الله عنه كان يقول، إياكم واللحم، فإن لها ضراوة الخمر.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أن اللحم سرف كسرف الخمر، فلا يؤمن أن يتعدى النزوع عنه، وفي إدمانه من الضرر وقسوة القلب وغلظ الطبع والصخب والخصومة وغلبة الشهوة.
لأن الشجاعة والسلطنة من طباع الآدميين.
فإذا اغتذوا اللحم قويت هممهم، فصاروا كالسباع وأخلاق السباع ما وصفته.
وكذلك ضربت السباع العادية دوابها وطائرها، وذلك لئلا يتغير طباع العباد لحومها، فتصير كطباع السباع.
فإن من الموجود فيما بين الناس أن الولد كما يشبه أمه، فكذلك يشبه في الأخلاق مرضعته وذلك لما بد يغتذيه بدنه وروحه من لبنها، فيمتزج بلحمه وبدنه، ثم أن ما يحدث من هذا من اغتذاء لحوم السباع أقوى أو أغلب فحرمت، وما يحرم من اغتذاء سائر اللحوم، فإنه يكون أضعف.
فلم يحرم لحاجة الأبدان إليها في أن تبقى قوتها.
وصلابة أعضائها ولكن الإدمان يخشى منه ما وصفت، فكان توفيه أولى وأحسن، والله أعلم.
وأما إذا كان قد أتى أمراً وعملاً يلحقه منه كد وجهد، فإن أدمن اللحم ليتقوى به لم يكره ذلك.
وروى أن ابن عمر رضي الله عنهما، كان إذا سافر أدام اللحم وإذا جاء رمضان أدام اللحم، ثم يأتي عليه لا يأكله.
وجاء أنه بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أن ناساً من أصحابه أجتنبوا اللحم والنساء، وأوعد في ذلك وعيداً شديداً، وقال: «إني لم أبعث بالرهبانية، إن خير دين الله الحنفية أن أهل الكتاب شددوا فشدد الله عليهم، أعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم» .