[لطيفة]
قال فِي ملاك التأويل:
قوله تعالى:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا"وفي سورة الفتح:"يبتغون فضلا من الله ورضوانا"وكذا فِي سورة الحشر فيسأل عن موجب اختصاص سورة المائدة بما ورد فيها من إضافة اسم الرب تعالى إليهم بخلاف السورتين.
والجواب والله أعلم أن آية المائدة مبنية على تأنيس وتقريب واستلطاف وقد أحرز قوله"من ربهم"هذه المعاني الثلاثة حسبما يتبين بعد.
ومن التأنيس أيضا افتتاح خطاب من قصد بها بقوله"ياأيها الذين آمنوا"مع انهم نهوا عن عدة منهيات والنهي مما يثير الخوف لمن قصد بالنهي، ثم يحكمه ويقويه ما وصف به آم البيت الحرام من ابتغاء الفضل والرضوان إلى ما تعضيده إضافة التخصيص فِي قوله"من ربهم"إذ لا يحصل ذلك من أن لو قيل: يبتغون فضلا من الله عوض قوله"من ربهم"وإذاية من خص بتقريب ليست كإذاية من ليس كذلك، والمعصية قد تكون واحدة ثم تعظم بإيقاعها على صفة ما، وتأمل ما ورد فِي الزنا بحليلة الجار والزنا كله كبيرة ولكن وقوعه بحليلة الجار زيادة وذلك لحرمته، وكذلك ما عظم الشرع من الإلحاد فِي البيت الحرام والإلحاد كله كفر ولكن فِي وقوعه فِي البيت الحرام زيادة، وتأمل هذا فِي الكتاب العزيز وفى صحيح الأخبار تجد ذلك كثيرا، كما أن هذه الإضافة فِي قوله"من ربهم"مشعرة إذا اقترن بها بعض القرائن بالتلطف والتقريب وتأنيس من عنى بها وتخويف من انتهك حرمة من جرت الكناية عنه بها تخصيصا وتأنيسا فلهذا خص هذا الموضوع بها وقدم أيضا تأنيس من خوطب بالنهي إذا هم امثلوا فأنسوا من شدة الخوف الحاصل من مجموع ما ذكرنا فلمجموع ما قصد فِي هذه الآية من التأنيس والتخويف والاستلطاف خصت بما ورد فيها.