وحكى الطبريّ عن السُّديّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسْمُل أعين العُرَنيين وإنما أراد ذلك ؛ فنزلت الآية ناهية عن ذلك ، وهذا ضعيف جداً ؛ فإن الأخبار الثابتة وردت بالسَّمْل ؛ في صحيح البخاريّ: فأمر بمسامير فأُحميت فَكَحلهم.
ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود.
وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ} استعارة ومجاز ؛ إذ الله سبحانه وتعالى لا يُحَارَبَ ولا يُغالَب لِما هو عليه من صفات الكمال ، ولِما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد.
والمعنى: يحاربون أولياء الله ؛ فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لإذايتهم ، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245] حَثّاً على الاستعطاف عليهم ؛ ومثله في صحيح السنة:"استطعمتك فلم تُطْعِمني"الحديث أخرجه مسلم ، وقد تقدّم في"البقرة".
الثانية واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة ؛ فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في بَرِّيَّة وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذَحْل ولا عداوة ؛ قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسئلة ، فأثبت المحاربة في المِصْر مرةً ونفى ذلك مرة ؛ وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة ؛ وهذا قول الشافعي وأبي ثور ؛ قال ابن المنذر: كذلك هو لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة ، والكتاب على العموم ، وليس لأحد أن يُخْرِج من جملة الآية قوماً بغير حُجّة.
وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجاً عن المصر ؛ هذا قول سُفيان الثَّوريّ وإسحاق والنعمان.