وما دام الحق قد قال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} فلا بد بعد هذا التشخيص أن يرسم لرسوله أسلوب التعامل معهم: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} . فأنت يا رسول الله بالخيار بين أن تحكم بينهم في القضية التي جاءوا من أجلها أو تعرض عنهم ، فليس عليك تجاههم إلزام ما ؛ لأنهم السماعون للكذب الأكَّالون للسُّحْت . وهم حينما يأتونك يا رسول الله طلباً لحكم إنما يفعلون ذلك لا رغبة في معرفة الحق ولا هم يلتمسون العدل . بل جاءوك مظنة تيسير أمر الباطل وأكل السُّحت لنفوسهم . وقد طلبوا الحكم في قضية الزِّنا وعندهم في التوراة كان الرَّجم عقاباً للزنا .
لقد ذهبوا لرسول الله لأنهم أرادوا أن يستروا حكم الزِّنا في التوراة ، والاكتفاء بالجلد وتسويد وجه الزاني وركوبه حماراً في الوضع العكسي بحيث يكون وجهه في اتجاه الذيل وقفاه في اتجاه رأس الحمار ، وأن يطوفوا بالزاني وهو على هذه الهيئة حول البلدة . ولما لم يسمعوا ذلك الحكم من الرسول ابتعدوا عنه . إذن هم يطلبون التخفيف لأنهم كانوا سماعين للكذب واكَّالين للسُّحت . ولأن الذي سيطبق عليه الحد رجل له جاه وله مكانة وهم يريدون التقرب إليه بتخفيف العقاب عنه . وهل هناك تعارض بين قول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وبين قول الحق: {فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله} [المائدة: 48]
لا تعارض . والبعض يقول: إن في قوله الحق: {فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله} إلزاماً . ونقول: المعنى الواضح هو أنك يا رسول الله ، إن رجحت جانب أن تحكم وتقضي بينهم فاحكم بما أنزل الله ، ولننظر إلى الأداء القرآني لأن المتكلم إله وحكيم: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} .