والجمهور على نصب {الْآخِرَةَ} وهو الوجه، وذلك أنهم حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه، وقرئ: بالجر على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، وذلك أنه لما قال جل ذكره:: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} فجرى ذكر العرض، صار كأنه أعاده ثانيًا، فكأنه قال: والله يريد عرض الآخرة.
ونظيره بيت الكتاب:
254 -أَكُلَّ امْرِئٍ تَحسبينَ امْرءًا ... ونارٍ تَوَقَّدُ بِالليلِ نَارَا
أي: وكل نار، فناب ذكر كل في أول الكلام عن إعادتها في آخره، وذلك فرار من العطف على عاملين وهما: كل وتحسبين.
{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) } :
قوله عز وجل: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ} {كِتَابٌ} رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: تدارككم، و {مِنَ اللَّهِ} و {سَبَقَ} : صفتان لكتاب.
ولك أن تجعل {مِنَ اللَّهِ} من صلة {سَبَقَ} ، وسبق: حالًا من الذكر
الذي في الظرف على الوجه الأول، وهو أن يكون {مِنَ اللَّهِ} ، صفة لكتاب، وقد معه مرادة.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون {سَبَقَ} خبر المبتدأ الذي هو كتاب؟ قلت: لا، لأن الاسم المبتدأ الواقع بعد لولا التي معناها امتناع الشيء لوجود غيره لا يظهر خبره رأسًا لأجل طُولِ الكلام بالجواب، ولأن الحال تدل عليه.
ومعنى سبق: أي سبق إثباته في اللوح، وهو أنه لا يعذِّب أحدًا بخطأ إلَّا بعد البيان {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وكان هذا خطأ في الاجتهاد.
وقوله: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} جواب لولا، ومعنى {فِيمَا أَخَذْتُمْ} : يعني من الأسرى والغنائم؛ لأنهم أخذوه قبل أن يؤذن لهم في أخذه، وقد كان سبق في علم الله أنه سيحله لهم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
{فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) } :
قوله عز وجل: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} دخلت الفاء على تقدير: قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم.