الجواب عن المسألة الثانية هو: إن الذين ذكروا بالطول وهو الفضل في النفس والمال والقدرة على الجهاد إنما مالوا إلى الدعة وأخلدوا إلى الراحة وأشفقوا من الحر ولم يفطنوا أن الراحة في تحمل التعب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأن الدعة توجد بتحمل المشقة معه فطلبوا ما كان مطلوبهم ضده لو فقهوا له وفطنوا فكان هنا موضع {يَفْقَهُونَ} وأما الآية الأخرى وهي: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ} أي العقاب متوجه على هؤلاء وهم لا يعلمون بما أعد الله لكل ذي عمل محق عمله ما يعلمه المؤمنون الذين يستجيبون للخروج والذين تفيض مدامعهم إذا لم يعنهم بالركوب، فلما كان بإزائهم في الآيتين اللتين قبل ذكر من تحقق بالدين وعلم الثواب والعقاب علم اليقين وخالفهم هؤلاء نفى عنهم ما أثبته لأولاء وهو العلم، فلذلك جاء في هذا المكان: {فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .
الآية السادسة من سورة التوبة
قوله تعالى: {قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} وقال بعده: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} .
للسائل أن يسأل عن شيئين في هذا المكان:
أحدهما: ذكره المؤمنين في الآية الأخرى وتركه في الأولى؟
والسؤال الثاني قوله في الآية الأولى: {ثُمَّ تُرَدُّونَ} وفي الآية الثانية:
{وَسَتُرَدُّونَ} وهل لاختلافهما معنى يوجبه ويخصصه بالمكان الذي يختصه؟