والذمة هي الوفاء بالأمانة التي ليس عليهما إيصال ولا شهود ، فإذا اقترض واحد مبلغاً من شخص آخر إيصالاً عليه بذلك الملبغ ، فهذا الإيصال هو الضامن للسداد ، وكذلك إن كان هناك شهود فشهادتهم تضمن الحق لصاحبه . ولكن إن لم يكن هناك إيصال ولا شهود ، يصبح الأمر موكولاً إلى ذمة المقترض ؛ إن شاء هذا المدين اعترف بالقرض ، وإن شاء أنكره ، وهناك ذمة أخرى هي التي بينك وبين نفسك ، والمثال على ذلك قد تعاهد نفسك بأن تعطي فلاناً كل شهر مبلغاً من المال ، وهذا أمر ليس فيه عهد مكتوب أو شهود لكنه متروك لذمتك ، إن شئت فعلته ، وإن شئت لم تفعله . وما في الذمة - إذن - هو شيء إنْ لم تفعله تُفضَح ، مثال ذلك: أن تقرر بينك وبين نفسك أن تساعد أسرة ما ، وهذا أمر خاضع لإرادتك ، فلا عهد يجبرك على ذلك ولا قرابة ولا جوار ، لا شيء إلا ذمتك ، ولذلك فأنت تراعي الوفاء بما وعدت نفسك به لتحافظ على سمعتك ورؤية الغير لك .
وكذلك أيضاً حين تأخذ ديناً بلا إيصال منك أو شهود عليك ، ولكنك تحرص على أن ترده لأنه في ذمتك .
{كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وتأبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8] .
وهكذا نعرف أن"كيف"هنا تعجب من أن يكون للمشركين الآن أو في المستقبل عهد لأنهم يحترفون نقض العهود ولو تمكنوا من المؤمنين فهم ينكلون بهم أبشع تنكيل دون مراعاة لأي اعتبار ، وقد يقول قائل: إنهم معنا على أحسن ما يكون ؛ بشاشة وجه وحسن استقبال إلى آخره ، فكيف إذا تمكنوا منا انقلبوا إلى وحوش لا ترحم؟ . ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يظهر وما يخفي ، وقد علم ما يدور في خواطر المؤمنين فرد عليهم حتى لا يترك هذه الأشياء معلقة داخل نفوسهم ، ولذلك يريد سبحانه وتعالى على هذا الخاطر: