{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} [يونس: 13] أي: أوضعوا محبتنا وطلب لقائنا في غير موضعها من الدنيا والآخرة وما فيهما، {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} بالحجج القاطعة قالاً وحالاً؛ ليدلوهم بها إلى محبتنا وطلبنا، {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} [يونس: 13] بتلك الحجج؛ ليهتدوا إلينا بنور الإيمان إذ وكلناهم إلى أنفسهم بالخذلان، {كَذلك نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [يونس: 13] فكلهم إلى أنفسهم بشؤم جرائمهم فهلكهم كما هلكنا القرون الماضية في متابعة أهوائهم واستغراقهم في طلب شهواتهم، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ} [يونس: 14] يا أمة محمد {خَلاَئِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} [يونس: 14] أي: من إهلاكهم به يشير إلى أن لهذه الأمة اختصاصاً باستحقاق الخلافة الحقيقية التي أودعها في آدم عليه السلام بقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ولهذا السر ما كان في أمة من الأمم من الخلفاء ما كان في هذه الأمة بالصورة والمعنى، {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] في خلافتنا، ثم اعلم أن المخالفة صورة ومعنى كما أن صورة الخلافة مبنية على الحكم بين الرغبة بالعدل والسوية وقانون الشرع والاجتناب من متابعة الهوى والطبع، كذلك معنى الخلافة مبينة على الحكم بين الرغبة المعنوية وهي: الجوارح والأعضاء والقلب والروح والسر والنفس وصفاتها وأخلاقها والحواس الخمسة والقوى النفسانية والخلق كما كان سيرة الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء في طلب الحق ومجانية الباطل، وترك ما سوى الله للوصول إلى الله، وسيأتي شرحها في موضعه إن شاء الله.