فهرس الكتاب
انكسروا في واقعة أحد لإخلالهم بالسنة الإلهية، وهي طاعة الرئيس بالحق.
وأما أوروبا فإن الدين لم يكن صادًّا لها عن التقدم إلا بما زاد عليه الرؤساء من
المنع عن النظر في نواميس الكون وسائر الفنون العقلية، وسلب الاستقلال في
الإرادة والرأي، والحرية في القول والعمل، بحجة الدين. فلما اهتدى القوم إلى هذا
بما اقتبسوه من الإسلام في حروبهم الصليبية أقاموا في ضوئه أساس مدنيتهم، ولما
أحسوا بلذة المدنية طفقوا ينسلون من الدين الذي كان مانعًا لهم منها، ولكن نبذ الدين
رماهم بشرور ستضطرهم إلى الرجوع إلى الدين يومًا ما؛ لأن كمال البشر لا يتم إلا
به كما قال وعلى الوجه الذي بينه أستاذنا في رسالة التوحيد.
والاعتدال في مسألتنا الذي نريد أن نبينه هو: أن الدين الإسلامي دين الفطرة
لما كان مرشدًا إلى سعادة الدنيا والآخرة معًا بيّن للناس أن لله في خلقه سننًا حكيمة،
لا تبدل ولا تحول، وهداهم إلى السير عليها، وشرع لهم من الأحكام ما إن تمسكوا
به لن يضلوا عن طرق السعادة أبدًا، ومن السنن التي بينها القرآن بيانًا كافيًا وكرر
القول فيها سنته تعالى في إهلاك الأمم وسقوط الدول، قال تعالى وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا
الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا (يونس: 13) وقال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً
أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (الإسراء: 16)
وقال تعالى {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} (القصص: 59) وبيَّن
تعالى أن الظلم إذا وقع في أمة يعمها العذاب، وإن لم يواقع الظلم جميع أفرادها، فقال
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال: 25) والآيات الناطقة بأن الظلم مؤذن بهلاك الأمم وفساد العمران كثيرة
جدًّا، وتقابلها الآيات المبينة أن التقوى والصلاح، والإصلاح والعدل ونحوها من
صفات الكمال واقية من حلول البلاء، وسبب لزيادة النعماء، وهي كثيرة أيضًا منها